يدلنا هذا الفصل والفصول السابقة على أنه لا حد للسذاجة وسرعة التصديق في ميدان
المعتقد، وأنه لا فرق فيه بين العالم والجاهل، فالعالم الذي يشك في الكسور العشرية
قد يؤمن من غير صعوبة بخروج محارب على رأسه خوذة من جسم أحد الوسطاء،
وبمشيه في إحدى القيعان، وبتعريضه نفسه للحضور كي يجسّوا نبضه، ويعتقد أنه
ليس شبحًا فارغًا، أو غازًا لا يمكن مسه.
ولا قرار لسرعة التصديق والسذاجة؛ فقد جاء في عدد من مجلة استخدام الأرواح
التي يديرها أحد أساتذة كلية الطب في باريس ما يأتي:
أولًا: حكاية وسيط رفع ساعة كبيرة من غير أن يمسها.
ثانيًا: صورة بعض الأرواح.
ثالثًا: البحث عن جن يسكنون الغابات.
الخ. ... «المرسيلياز» رابعًا: قصة أربعة أشباح أنشدت نشيد
إذن لا يفضل العالم الجاهل من حيث سذاجته، وسرعة تصديقه، فالسذاجة
المتناهية هي حال نفسية قد تهيمن علينا جميعًا عندما نخرج من دائرة المعرفة لندخل
في دائرة المعتقد.
حقًا إن بضاعة العلم مزجاة، فهو لا يوضح لنا سوى عدد يسير من الأسرار
المحيطة بنا، إلا أنه يقول: إن الحوادث تابعة لنواميس ثابتة غير متقلبة.
وما تخلص البشر من الهمجية النفسية إلا بعد أن ضرب بالخرافات والأساطير
القديمة عرض الحائط، وصار لا يخاف سلطان المشعوذين والخوارق والسحرة، ولم
يكتشف مستخدمو الأرواح في كل جيل حقيقة مجهولة مع أن طرق العلم ومناهجه
تُخرج من العدم عالمًا مؤلفًا من العجائب، فلنترك زمر الأشباح والأرواح التي هي بنات
الليل إلى أرباب النفوس المريضة، ولننظر إلى النور الذي يتبدد أمامه جيش الظلام.
لا جدال في هذه النتائج، غير أنها لم تحل المشكلة من جميع وجوهها، فجميع
الناس في كل زمن سكبوا في قالب المعتقد الذي هو ضروري لحاجات النفس الأبدية؛
ذلك لأن العلم يحرم على نفسه الخوض في مصير الدنيا، مع أن النفس ترى مثلها
الأعلى، وآمالها في هذا المصير، فالنفس تقرع على الدوام باب حصن الأسرار الحصين
أملًا في اكتشاف سبب الأشياء ومصيرها، وبما أنها لم تقدر حتى الآن على فتح ذلك،
فإنها ملأت الحصن المذكور بأوهام وأحلام.
فلا نقل ببطلان تلك الجهود؛ لأن المعتقدات التي هي بنتها قد أورثت القلوب
سلوانًا، وأنارت لها سُبل الحياة، وها هو العلم القليل التسامح في الماضي أخذ يحترم
المبادئ الخارجة عن منطقة نفوذه، فالعلم والمعتقد - أي العقل والمشاعر - ينتسبان
إلى معقلين مستقلين، لا يؤثر أحدهما في الآخر.
والعالم الذي سوف يعالج هذا الموضوع بعد ألف سنة لا أدري كيف يرى نفسه
إزاء حوادث مشابهة لحوادث الوقت الحاضر، أفيأتي ببيان صريح عن علة العلل أم لا؟
وإنما لا أشك في أنه سينص على آلهة ومعتقدات جديدة مهيمنة على البشر الذي لا غُنية
له عنها.