فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 160

الباب الرابع

العراك بين أنواع المنطق

الفصل الأول

التصادم بين المبادئ العاطفية والمبادئ

الدينية والمبادئ العقلية

عبرنا عن عوامل الآراء والمعتقدات بأنواع المنطق المختلفة، وقد بينا أوصافها في الفصول

السابقة، ونظرًا لما بين هذه الأنواع من الاختلاف فإنها في الغالب تعترك، فكيف يُفصل

هذا العراك؟

لا يبدو العراك المذكور في الواقع إلا على وجه استثنائي؛ إذ يوجد في الحياة اليومية

توازن بين ما تناقض من اندفاعات أنواع المنطق، ويرضي مزاجنا النفسي بأن يسيطر

عليه أحد تلك الأنواع بحسب الوقت والبيئة والأحوال، وليس هذا التوازن اندماجًا لأنواع

المنطق بعض ها في بعض، بل هو عبارة عن تنضدها على أن يحافظ كل منها على تأثيره

وعمله.

وبتراصف أنواع المنطق المختلفة في المرء نفسه نجيب عن سؤال مهم وهو: كيف

أن أرباب العقول النيرة الذين تعودوا أساليب العلم، وطرقه الدقيقة يؤمنون بمعتقدات

دينية، أو سياسية، أو سحرية، أو غيرها من المعتقدات التي ينهزم جيشها أمام المنطق

العقلي الخالص؟ حقًا يسهل الجواب عن ذلك، فالمنطق العقلي هو دليل هؤلاء الأرباب

في مبادئهم العلمية، وأما في معتقداتهم فإنهم ينقادون لقواعد المنطق الديني، أو المنطق

العاطفي، والعالم ينتقل من دائرة المعرفة إلى دائرة المعتقد كما ينتقل من مسكن إلى

آخر، وإذا ذهب في الغالب ضحية الخطأ فذلك لمحاولته أن يطبق في تفسير مظاهر المنطق

الديني أو العاطفي من معتقد وغيره تفسيرًا علميًا مناهج المنطق العقلي.

الآراء والمعتقدات

ومتى ينقطع التوازن بين أنواع المنطق فإنها تعترك، ويندر أن يغلب المنطق العقلي

في ذلك العراك؛ إذ يسهل التنكيل به واستعباده من قبل بعض المبادئ الصبيانية، وهذا

هو السبب في كون الدليل العقلي لا ينفع في أمر المعتقد دينيًا كان أم سياسيًا أم أخلاقيًا،

ولا تفعل إقامة الحجة العقلية على رأي مصدره العاطفة، أو التدين سوى استفزاز رب

الرأي المذكور وتهييجه، وكذلك المرد لا يستطيع بعقله أن يتغلب على رأي فيه ناشئ عن

المشاعر والعقيدة إلا إذا بلغ هذا الرأي من البلى والدروس مبلغًا ذهب بقوته.

ولا تتجلى لنا نتائج العراك بين المنطق الديني والمنطق العقلي إلا بالمثل الذيضربه

(باسكال) ، وفحصناه تفصيلًا في فصل آخر، فمن العبث أن نطنب الآن فيها.

وسنقتصر فيما يلي على البحث في تصادم المنطق العاطفي والمنطق العقلي، فأيضًا

هذان الطرفان ليسا متكافئين قوةً، وإنما يستطيع العقل في أثناء ذلك التصادم أن يسلط

بعض المشاعر على الأخرى متذرعًا بأنواع الحيل كي يتمكن من التغلب على التي يود

قهرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت