لقد بينا أن دوائر أنواع المنطق هي من الاختلاف بحيث لا تجاوز إحداها حدود الأخرى
فلا تتصادمان، ومع ذلك فإن هنالك نقطة يظهر أن العلم والمعتقد يتقاتلان من أجلها؛
نظرًا لكونها تتعلق بمبدأ أساسي.
لعلَّ أهم ثورة ظهرت في عالم الفكر هي الثورة التي أدى إليها العلم بإثباته أن
الحوادث تصدر عن نواميس مهيمنة لا عن أهواء الآلهة؛ إذ بهذه الثورة تبدلت الكيفية
التي ننظر بها إلى الكون دفعة واحدة، وهذا الاكتشاف العظيم الشأن الذي أخرج
البشر أول مرة من دائرة المعتقد إلى دائرة المعرفة لم يعمّ بعد، إذ إن كثيرًا من الناس
يعتقدون أن قوى ما بعد الطبيعة تسير الحادثات، وتقدر على تغيير مجراها عند ما
يُستغاث بها.
فيما أن هذا التصور هو وليد الآمال التي لا تموت أبدًا، فإن التباين بين العلم
والمعتقد سيبقى على هذه النقطة، ويظهر لنا أن التباين المذكور أبدي؛ لأن العلم مع أنه
لم يترك أثرًا للآلهة في البقاع التي ارتادها لا يستطيع أن يثبت للمؤمنين أنه لا شيء في
البقاع التي لم يردها بعد، فمن خلال هذه البقاع غير المطروقة تتراءى أشباح يتخيلها
ذوو الإيمان.
والإنسان بتركه مبدأ الوجوب في تسلسل الحوادث يعود إلى المبدأ الذي قضى عليه
بعد عناء كبير، والقائل: إن مصدر الحوادث هو الآلهة ذات الأهواء، فلو أن الحادثات
التي يخبر بها أولو الكرامات في الوقت الحاضر ممكنة لتقهقر العلم طائعًا إلى قرون
الأساطير؛ حيث كان مصير الحروب بيد الآلهة، وكانت كتائب الأرواح، والجن، والغيلان،
والعفاريت تتدخل في أمور البشر اليومية، ولرأينا قراءة العزائم، والصلوات، والقرابين،
والتعاويذ تصبح اليوم كما كانت في الماضي وسائل فريدة لاستعطاف هذه القوى
الهوائية.
وليس ما ينافي هذه القهقرة؛ لأن نفسية الإنسان الدينية تهيمن عليه في كل وقت
فترغمه على الالتجاء إلى ما بعد الطبيعة، وإن كان البحث الدقيق في خوارق ما بعد
الطبيعة يدلنا على أن هذه الخوارق عبارة عن أوهام تكونت في نفوسنا، وسوف نبين ذلك
عندما نوضح في باب آخر كيفية تكوين بعض المعتقدات إيضاحًا قائمًا على التجربة.