فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 160

الفصل الثاني

تأثير آراء الجموع ونتائجها

شأن الجموع الزائد في الحياة السياسية يجعل البحث عن الآراء الشعبية ذا أهمية، ولما

فسرتها كتيبة من المحامين والأساتذة الذين حرفوها، وأخفوا تقلباتها، وعدم اتساقها،

وسذاجتها ظلت معروفة قليلًا، وقد بلغ تملقهم للشعب ذي السيادة مبلغ التذلل لأشد

الملوك استبدادًا في الماضي، ولا يزالون معجبين بحرصه الدنيء، وشهواته ذات الجبلة

والضجيج، ورغائبه الخرقاء، ولا قيمة للحوادث والحقائق عندهم، فهم يرون أنه يجب

على الطبيعة أن تخضع لأهواء العدد.

وتتصف الروح الشعبية التي بحثت عنها في مؤلفات أخرى بكونها تخضع للمبادئ

العاطفية، والمبادئ الدينية خضوعًا تامًا، وما فيها من اندفاعات مصدرها المشاعر والدين

فلا يزجره أي دليل عقلي، ولذلك فإنها تسير حسب هذه الاندفاعات غير مترددة.

جهة الدين في روح الجماعات أشد نموًا من جهة العاطفة، وهذا هو علة احتياجها

الشديد إلى عبادة معبود ربًا كان أم صنمًا، أم وجيهًا أم مذهبًا، والاحتياج المذكور يتدفق

اليوم نحو الاشتراكية التي هي دين جديد قادرً على تجديد البشر! وقد شوهد التدين

الشعبي في جميع الأجيال، وإذا لم يتجل في المعتقدات اللاهوتية فإنه يستولي على المبادئ

السياسية، فكل صفحة من صفحات تاريخ الثورة الفرنسية تدعم قولنا.

أعود فأقول: إن عجز العقل عن التأثير في الجموع هو أهم صفاتها، فالأفكار التي

تؤثر فيها هي المشاعر التي صُبت في قالب أفكار لا الأفكار العقلية، ومع أنه وجب أنه

تكون هذه الحقائق معروفة عند الجميع، فإن ساسة العرق اللاتيني يثبتون بسيرهم

أنهم لا يزالون غير مدركين لها، وسيظلون في الفوضى حتى يطلعوا عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت