الآن أصل إلى مسألة ذات بال يجب الإسهاب في بيانها، وأعني بها وصف الأشخاص
الذين يستطيعون أن يحققوا الحوادث الروحانية.
فمن الخطأ الشائع بين الناس زعمهم أن العالم الاختصاصي قادر على اختبار
أمور بعيدة من دائرة معرفته، ولا سيما الأمور التي للوهم والتدليس شأن كبير فيها،
فالعلماء لما كانوا عائشين خالصي النية، صادقي الطوية، موطنين أنفسهم على تصديق
ما يشاهدونه بمساعدة آلاتهم الفنية أصبحوا بالحقيقة أكثر الناس تعرضًا للحيلة
والخداع، أثبت ذلك بالمثال الآتي الغريب الذي نشرته مجلة» تقاويم العلوم النفسية «،
وإليكه:
دعا الموسيو (دا?ي) إليه عددًا غير قليل من كبار أهل النظر، وفيهم عالم
من أشهر علماء إنكلترا هو المستر (والاس) ، وقدم لهم أشياء لمسوها بأيديهم،
وختموها كما شاؤوا، ثم أجرى أمامهم جميع ظواهر هذا الفن من تجسيم
الأرواح، والكتابة على السبُّورة وغيرهما، وكتبوا له شهادات قالوا فيها: إن
المشاهدات التي وقعت أمامهم لا تنال إلا بقوة فوق قوة البشر، فلما صارت
الشهادات في يده قال لهم: إن ما فعله شعوذة بسيطة جدًا، قال راوي
الحادثة: والذي يوجب الدهش والاستغراب في بحث الموسيو (دا?ي) ليس
إبداعه ومهارته في الحركات التي قام بها، بل ضعف الشهادات التي كتبها
أولئك الشهود الذين كانوا يجهلونها، فقد ذكروا روايات كثيرة واقعية كلها
خطأ، ولو صح وصفهم الحوادث التي يروونها لتعذر تفسيرها بالشعوذة،
على أن الطريقة التي استنبطها الموسيو (دا?ي) بسيطة يدهش الإنسان
لبساطتها من جرأته على استعمالها، ولقد كان له من التأثير في أفكار جماعته
ما جعلهم يرون ما لم يروا.
ذلك شأن التلقين على الدوام، فتأثيره في ذوي النفوس السامية الذين يتذرعون
مقدمًا بالحذر والاحتراز يثبت ما له من السلطان الكبير.
إذن لا يقدر العلماء أن يحققوا حوادث استخدام الأرواح تحقيقًا شافيًا؛ فأولو
النظر الذين يستطيعون ذلك هم الذين تمرنوا على خلق الأوهام، وإيقاع الناس فيها
-أعني المشعوذين - وإنا لنحزن على كون معهد العلوم النفسية لم يدرك ذلك، فلو
استعان هذا المعهد ببعض المشعوذين لما أنفق خمسة وعشرين ألف فرنك في سبيل
تجارب لا طائل تحتها.
ومن الأمور المعلومة أن المؤمنين يرتابون بالمشعوذين ارتيابًا شديدًا؛ خوفًا من
تبديد ما ران على قلوبهم من الأوهام، فلما اقترح الأستاذ (بينيه) على معهد العلوم
النفسية إحضار مشعوذين ماهرين لكشف الغطاء كما استحوذ على النفوس من
الأضاليل، عدل المعهد المذكور عن دعوته لحضور الاجتماعات كما جاء في رسالة أرسلها
ذلك الأستاذ إليَّ.
لا يسعنا إلا أن نأسف على كون ذلك المعهد لم يرتح إلى دعوة المشعوذين، وإلا
فما هي العلة التي تبرر رفض المعهد المذكور للاستعانة بأولئك المشعوذين الذين هم
وحدهم يقدرون على إبطال عمل الحيل؟ وكيف لم يشعر أعضاء اللجنة بضرورة
الاستفادة من خبرة أناس تعودوا إيهام الناس؟ ولقد اثبت الإنكليز أنهم على جانب كبير
من الصواب؛ إذ اختارت جمعية المباحث النفسية في إنكلترا مشعوذًا يسمى (مسكلاين)
لاكتشاف حقيقة الوسيط الذين اختبره معهد العلوم النفسية في باريس، فأثبت هذا
المشعوذ تدليس ذلك الوسيط.
حقًا إن طرق البحث في الحوادث الخارقة تتطلب شروطًا خاصة كما بينت، فلما
جهل كبار أهل النظر هذه الشروط وقعوا في ضلال مبين.