فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 160

الاحتياجات هي من أكبر العوامل في تكوين الرأي، وكل تطور اجتماعي، ونعد الجوع

أكثرها شدة، فهو الذي ساق أجدادنا الأولين من الكهوف والمغاور إلى سلم الحاضرة،

وهو الذي تسعى لقضائه أكثرية البشر، ولولاه لما ترك البرابرة أرضهم البور، وغيروا

مجرى التاريخ بتدهورهم على روما، وليس شأنه اليوم بأقل منه في الماضي، فلقد أصاب

من قال: إن الاشتراكية هي مسألة مِعَد.

وكلما تقدمت الحضارة فإنه يضاف إلى قائمة الاحتياجات القديمة احتياجات

جديدة، وما الاحتياج إلى الأكل، وإلى التناسل، واللباس، والدين، والأمور الأدبية، والكمال

سوى عناوين لمقتضيات الحياة والعاطفة التي تقودنا، والتي تنشأ عن علتي الحركة في

الموجودات، أعني اللذة والألم، ويؤدي إيجاد احتياجات جديدة في الجموع إلى ظهور آراء

حديثة، ويعرف أقطاب السياسة أن يحدثوا احتياجات تفيد بلادهم، فما الاحتياج إلى

الاتحاد في ألمانيا، ثم إلى إنشاء أسطول حربي قوي سوى احتياجين مصنوعين أكرهت

البلاد عليهما.

وقد أوجب تطور الصناعة العلمي حدوث احتياجات جديدة كالخطوط الحديدية،

والتليفون، ومن سوء الحظ أن بلغت هذه الاحتياجات من النمو مبلغًا زاد على الوسائل

الضرورية لقضائها، فصارت مصدرًا للاستياء الذي هو عامل قوي في انتشار الاشتراكية.

والاحتياجات هي أيضًا سبب التسليح المؤدي إلى الإفلاس في أوروبا؛ لأنه لما عظمت

الاحتياجات كثيرًا في أوروبا، وأصبح تنازع البقاء فيها أشد منه في الماضي صارت كل

دولة فيها تطمع في الاغتناء على حساب الدول المجاورة لها، فالألماني الذي كان منذ زادت

احتياجاته بغتةً أصبح محاربًا متوعدًا، ثم لما كان الألمان يزدادون عددًا، وأوشكوا أن

يكونوا من الكثرة بحيث لا تكفي بلادهم لإطعامهم، فإن الوقت الذي تتعلل فيه ألمانيا

بإحدى العلل الواهية كي تستولي على الأمم المجاورة، وتشاركها في أمر معيشتها قد قرب،

وهذا السبب وحده هو الذي يدفعها الآن إلى بذل نفقات باهظة في سبيل جيشها وبحريتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت