فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 160

ليس من الضروري أن نطنب في بيان تأثير المنفعة في تكوين آرائنا؛ ذلك لأن هذا الأمر

شيء مسلم به، ويمكننا أن نعتبر أكثر الأشياء من عدة وجوه، أي من حيث المنفعة

العامة، أو من حيث المنفعة الخاصة.

وللمنفعة ما للحرص من قدرة على تحويل ما يلائمها إلى حقيقة، ولذلك فهي في

الغالب أقوى من العقل حتى في المسائل التي يظهر أن العقل هو المهيمن عليها، خذ

الاقتصاد السياسي مثلًا تر أن مبادئه المختلفة مشبعة من البحث في المنفعة الشخصية

بحيث نستطيع أن نقّدر بها مقدمًا ميل الرجل ذي المهنة المعينة إلى نظام حرية المبادلة،

أو نظام الحماية.

وتقلبات الرأي تتبع تقلبات المنفعة بحكم الضرورة، فالمنفعة الشخصية هي العامل

الأصلي في الأمور السياسية، فالنائب الذي انتقد ضريبة الدخل بما أوتي من قوة لا يلبث

أن يدافع عنها بعزم لا يقل عن السابق عندما يأمل أن يصير وزيرًا، وكذلك الاشتراكيون

فإنهم يصبحون محافظين بعد أن يغتنوا.

ولا يقتصر أمر المنفعة على تكوين الآراء، بل إنها بعد أن تستفزها الاحتياجات

تضعف أدب الإنسان، وحسن سيرته؛ فالقاضي الذي يطمع في الرقي، والجراحي الذي

يعمل عملية جراحية لا تفيد، والمحامي الذي يزيد الدعوى تعقيدًا تنحط أخلاقهم أكثر

من ذي قبل عندما يحرك احتياجُهم إلى النفائس منفعتهم.

وشأن المنفعة الأدبية هو كشأن المنفعة المادية في تكوين الآراء، فإذا أوردنا عزة

النفس المكلومة مثلًا نرى أنها تولد أحقادًا شديدة، وما ينشأ عن هذه الأحقاد من آراء،

فمصدر حقد أبناء الطبقة الوسطى على الأشراف، وانتقامهم منهم أيام الثورة الفرنسوية

هو على الخصوص ازدراء هؤلاء لأولئك في العهد السابق، ولو أدرك (مارا) - الذي انتقم

لنفسه من سادته السابقين - و (هبرت) - الذي أوجب قطع كثير من الرؤوس بعد أن

كان ملكيًا متحمسًا - دور الإمبراطورية، ونالا فيه وظائف وألقابًا لأصبحا كخصومها

من المحافظين المتأججين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت