نصادف في الآراء الشعبية صفتين متباينتين: التقلب، والثبات، فالتقلب يظهر أنه هو
القاعدة، إلا أنه ينطوي تحت هذا التقلب عناصر هي غاية في الثبات، كما أنه يوجد تحت
أمواج البحر المحيط السطحية مياه البحر الساكنة، ويتجلى لنا جميع ذلك عند النظر إلى
ما طرأ علينا من التقلب منذ عصر.
حقًا يوجد خلف تقلب الجموع الدائم، وغيظها الشديد، وحماستها، وغضبها
العظيم، وأحقادها التي أوجبت انقلابات عديدة غرائز محافظة متينة ثابتة، فقد ظلت
أشد الجموع اللاتينية ثورة شديدة المحافظة كثيرة التمسك بالتقاليد، لم تلبث أن أعادت
النظم التي حطمتها بأسماء جديدة.
ولم يفقه زعماء الجماعات أنها وإن كانت تأتي بالثورة فعلًا إلا أنها محافظة
بمشاعرها، فقد يسهل تحريك روحها بآراء سياسية يومية، وأما مزاجها النفسي الأساسي
فالزمان وحده هو الذي يؤثر فيه.
والعمل الآتي الذي قامت به الحكومة الإنكليزية حديثًا يثبت لنا جهل الساسة للروح
الشعبية، وما ينطوي تحت تقلباتها من ثبات وهو: لما تم انتخاب مجلس نواب جديد
في إنكلترا لم يمنح الحكومة أكثرية كافية لإصلاح مجلس اللوردات ظنت أنها بخوضها
معركة انتخابية حامية الوطيس تقدر على جعل الجموع الإنكليزية تنتخب نوابًا موالين
يكفون لتنفيذ برامجها، ولكن على رغم ما أتت به من ضغط عنيف لم ينتخب الشعب
سوى أعضاء المجلس السابق، إذ أن الأكثرية التي كانت تستند إليها الحكومة قبل الحل
بعد أن كانت 124 نائبًا أصبحت 126 نائبًا، أي أن ما أتت به الحكومة من مجهود كبير
لم يؤد إلا إلى زيادة عضوين مواليين.
وما كان الوزراء بحاجة إلى وقوف كبير على علم النفس كي يعلموا تلك النتيجة
قبل وقوعها، وكيف ظنوا أنهم - بعد أن استعملوا في المرة الأولى جميع ما بأيديهم من
وسائل ليؤثروا في روح الشعب - يستطيعون في بضعة أشهر أن ينالوا غير النتيجة
السابقة؟ أتاهم ذلك الظن من اطلاعهم على سرعة التقلب في الجموع ناسين أن الثبات
هو رائدها في عدد من المواضيع الجوهرية، ومن هذه المواضيع المبدأ الذي اتخذ أساسًا
للمعركة الانتخابية الثانية والذي يلائم مناحي الإنكليز التقليدية التي يتعذر تحويلها.
وتصعب إدارة الروح الشعبية من غير أن يُنفَذ فيها، وقد أثبت مرات عديدة كيف
يجهل أولو الأمر كنهها، فقد أتى قانون تقاعد العمال الجديد ليؤيد صحة أقوالنا دفعةً
أخرى، وجهل هؤلاء الساسة لروح الأمم الأخرى أشد وأنكى، يدل على ذلك سياسة الإدغام
والتمثيل التي يسيرون عليها في حكم مستعمراتنا.