فهرس الكتاب

الصفحة 135 من 160

يظهر أن الجيل الحاضر قد غير مقاييس القيمة، والحقيقة هي أنه بدل أسماءها على

الخصوص، ويشكو أنصار العبادات الشائخة ضعف إيمان الأجيال الحديثة، مع أن

الجموع لم تظهر احتياجها إلى الاعتقاد كما تظهره اليوم، فالأيمان الديني بتحوله إلى

إيمان سياسي لم يتبدل منه سوى شيء قليل، وما القدرة التي نعزوها الآن إلى الحكومة

إلا من نوع القدرة التي كنا نعزوها إلى الآلهة.

إن المعتقد هو من عمل الإيمان، وتطبيق هذا العمل على موجود عال أو إلوهية

يعبر عن احتياج الإنسان إلى الخضوع والعبادة، فالمؤمن يميل بطبيعته إلى تأليه الشيء

بالعبادة، ومن ذلك أن (مارا) الذي كان يجب أن تقذف جيفته في بالوعة المرحاض لم

يلبث أن ألُّه بعد قتله، ووضعت أوراد لتقديسه، وقد كان (نابليون) إلهًا قاهرًا لا يغلبه

أحد في نظر جنوده.

ولا يكون المعتقد شعبيًا إلا إذا دلّ على موجودات أو أشياء تجب عبادتها، تجلى هذ

الأمر أيام الثورة الفرنسوية حين فكر رجالها عندما نشبت في إيجاد آلهة تحل مكان

عبادة لآلهة العقل تماثل العبادة التي سار «نوتردام» الآلهة السابقة، فأقاموا في كنيسة

عليها لاناس منذ قرون عديدة.

ولا ندرك حقيقة تلك الثورة إلا إذا اطلعنا على ما لتدين الشعب وزعمائه من

الشأن الكبير في سيرها، فقد كان (روبسبير) الذي هو عنوان نفسية زمانه الدينية

الضيقة يعتقد أنه رسول أوُحِيَ إليه أن يثبت دعائم الفضيلة، وأن يذبح أعداءها غير

راحم، وكان يذكر في خطبه اسم رب السماوات، وقد ماثلت محاكم الثورة المذكورة

محكمة التفتيش بحقدها على من ليسوا على دين أعضائها، وإبادتها لهم شر إبادة.

أطنبت في بعض كتبي السابقة في بيان تطور الاشتراكية على شكل ديني، ولذلك

لا أطيل البحث عن هذا التطور هنا، فالاشتراكية لو كان لها إله معين يعبده الناس

لتم لها النصر بسرعة، وقد اطلع رسلها على تلك الضرورة بغريزتهم، ولكن لما لم

يجرؤوا على مطالبة الشعب بعبادة (كارل ماركس) اليهودي الذي هو حبرها النظري

ولَّوا وجوههم نحو إلاهة العقل، وقد نقلت في كتابي المسمى» روح السياسة «فقرة من

جريدة» الأوانيته «الاشتراكية دلتنا على أن الأستاذ الشاب في (الصوربون) قرأ في حفلة

افتتاح إحدى المدارس الاشتراكية موعظة دينية مخاطبًا فيها إلاهة العقل.

لم تستهو الآلهة المجردة قلب الجموع قط، ولذلك تفتقر الاشتراكية ذات المبادئ

والتعاليم إلى رب تدعو الناس إلى عبادته، وليس عليها أن تنتظر كثيرًا ليتمثل لها هذا

الرب، إذ الآلهة هي بنت الحاجة.

وما في الاشتراكية من قوة يشتق على الخصوص من كونها وارثة لتعاليم المسيحية،

فقد استعارت مبادئ الاشتراكية من السلف النصراني المتعطش إلى المساواة، وحب

الغير، والحقد على الأغنياء، ولذا أصبحت الكثلكة في بلجيكا حليفة الاشتراكية، فهي

تستحسن فيها اعتصابات العمال علنًا، وتشجع على تنازع الطبقات.

وفي رسل الاشتراكية ما في أنصار النصرانية السابقين من توقد الروح، لا أشير

بذلك إلى الرسائل والمقالات التي ينشرها عوام الاشتراكيين فقط؛ بل أشير أيضًا إلى ما

نالوا من العلم قسطًا وافرًا، وقد أتيح لي أن أنقل في كتابي الأخير نبذًا من هذا النوع

دبجها يراع أستاذ في مدرسة فرنسا» كوليج دو فرانس «اعتنق الاشتراكية راغبًا في

القضاء على الآلهة الباطلة، وبمطالعة تلك النبذ نستدل على أن العالم لا يدخل في دائرة

المعتقد من غير أن يفقد اعتداله وصوابه، ولا فائدة من لومه على ذلك، فللمعتقد على

المرء أيًا كان سلطان قاهر تتعذر مقاومته، والمعتقدات دائمة كانت أم مؤقتة هي أكثر

العوامل تأثيرًا في حياة الشعوب، والشعب لا يتم حكمه بمبادئ حقيقية، بل بمعتقدات

يؤمن بأنها حقيقية. ولو ظهر (بيلاطس) في هذه الأيام لما طرح السؤال الذي لم يجب

عنه فيلسوف، ولقال: إن الحقيقة هي ما يعتقده المرء، فكل اعتقاد حقيقة. أجل، إن

الحقيقة المذكورة مؤقتة، ولكن العالم قد سار حتى الآن بحقائق من نوعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت