الفصل الرابع
كيف تثبت المعتقدات، وكيف تتطور؟
الحقيقة تكون عقلية إذا كانت شخصية، وما استندت إليه من دعائم يبقى مؤبدًا،
وأما المعتقدات فلأنها شخصية، ولاستنادها إلى مبادئ عاطفية، أو دينية تخضع لجميع
العوامل التي تؤثر في الإحساس، وعليه وجب أن تكون متقلبة تقلبًا متتابعًا.
ومع أن الأمر يقتضي أن يكون كذلك فإن أجزاء المعتقد الجوهرية تثبت إذا دوفع
عنها دفاعًا مستمرًا، وإلَّا فإنها لا تلبث أن تنحل عراها، والتاريخ أكبر شاهد على صحة
قولنا؛ إذ هو مفعم بأنقاض معتقدات لم تثبت بسبب ذلك إلا قليلًا.
ولا يكفي لثبات المعتقد إثباته كتابةً؛ لأن الكتابة لا تفعل غير تبطئة زواله بفعل
الزمن، فالمعتقد الديني، أو السياسي، أو الأخلاقي يثبت على الخصوص بتأثير العدوى
النفسية، والتلقين المكرر، ومن مقومات هذين الركنين نعد الصور، والتماثيل، والحج،
والطقوس، والترتيل، والموسيقى، والوعظ، والإرشاد ... الخ.
ولو نُفي المؤمن المتعصب إلى بادية ليس فيها ما يذكره بدينه لضعف إيمانه
بسرعة، فالذي يجعل الزهاد والمبشرين حافظين لإيمانهم هو كونهم يتلون كتب الدين
كل يوم، ويقضون أوقاتهم بالصلاة والتسبيح، والذين أوجبوا القساوسة أن يتلو كل
نهار كتاب الفرض الكنسي هم من الواقفين على أحوال النفس، وتأثير التلقين، والتكرار
فيها.
وما من معتقد يثبت إذا حُرم مقومات ثابتة يستند إليها، فلولا معابد الإله،
وصوره، وتماثيله لفقد عباده، ولذلك سار هادمو الهياكل بغريزة صادقة عندما حطموا
التماثيل، ودكوا المعابد التي هي رمز إلى الآلهة التي أرادوا أن يمحقوها، وقد كان
رجال الثورة الفرنسوية أيضًا على حق - بحسب ذهنيتهم - عندما حاولوا أن يقضوا
الآراء والمعتقدات
على تأثير الماضي بتخريب الكنائس، والتماثيل، والقصور، غير أن هذا التخريب لم يطل
عهده حتى يقدر على التأثير في المشاعر التي ثبتت بفعل الوراثة، والتي هي أمتن من
رموزها الحجرية.