فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 160

الفصل الخامس

جريان الآراء وثورانها

يوجد عدا الآراء التي تخص كل زمرة على حدة مناح عامة تستولي على أكثر الزمر حينًا

من الزمن، وهذه المناحي الناشئة عن تأثير الكتب، والجرائد، والخطب، والتعليم ... الخ

تسمى «جريان الآراء.»

فالجريان المذكور الذي قلما تدعمه عناصر العقل يحدث بفعل العاطفة وخلق

التدين، وينتشر بالتلقين والعدوى النفسية، وكلما تداعت أركان الماضي إلى دعائم الثبات

النفسي الموروث يعظم شأن جريان الآراء، فقد عانينا منذ قرن سلطان هذا الجريان

كثيرًا فتشيعنا لعائلة) بونابرت (، ثم ل) بولانجيه (، ثم ل) دريفوس (، ثم للمذهب

القومي ... الخ.

وفي الغالب يجب أن تقع حوادث هائلة ليصدر عنها جريان الآراء، فقد كانت

معركة (ينا) عند الألمان، وحرب سنة 1870 عند الإفرنسيس ضروريتين لإحداث جريان

آراء قادر على إلزام الناس الخدمة العسكرية العامة، ولولا النصر البحري العظيم الذي

ناله اليابانيون في حروبهم مع الروس لما حدث في بلاد اليابان جريان آراء تستطيع

بفضله حكومة تلك البلاد أن تنفق كل سنة أكثر من مليار فرنك على أسطولها.

والقادة أولو العزم والفضل يقدرون على توليد جريان آراء ضرورية، أو تعيين

وجهة هذا الجريان على الأقل، وأما القادة المتوسطون فإنهم يكتفون باقتفائه، وما

استطاع أقسى الجبابرة أن يباطشوا جريان الأراء زمنًا طويلًا، فقد ذكر (جوفينال) أن

الإمبراطور (دوميسيان) تمكن من قتل كثير من مشاهير الرجال، «ولكنه هلك عندما

أخذ السكافون يخافونه»، وكان (نابليون) نفسه يهاب جريان الآراء، فقد قال وهو في

جزيرة القديسة (هيلانة) : «إن للراي العام قوة لا تُقهر، ولا يقدر أحد على مقاومتها،

وليس ما هو أكثر منه تقلبًا وغموضًا وسلطانًا، وهو على رغم سيره مع الأهواء ذو

سداد أكثر مما يُظن.»

ويبذل أقطاب السياسة كثيرًا من العناية في إيجاد جريان للآراء، أو تحويل هذا

الجريان، فقد سعى (بسمارك) سنين طويلة لتكوين حركة فكرية في الشعب يستطيع

بها أن يجعل البلاد مستعدة لاستقبال حرب تؤدي إلى ما لا تقدر على فعله اللغة

وحدها من اتحاد بين دول ألمانيا، وبفضل ما نشره ساسة ألمانيا في الصحف من رسائل،

ومقالات، وخطب مؤثرة في الرأي العام جعلوا الأمة الألمانية ترضى بإنفاق أموال وافرة

على تقوية أسطولها الحربي، وما تم أمر الإصلاحات التي وقعت في إنكلترا منذ قرن إلا

بتحريك جريان الرأي العام فيها.

ومن العوامل المولدة لجريان الآراء نذكر الجرائد اليومية، والنشرات، والخطب،

والمحاضرات، والمؤتمرات، فبمثل هذه الوسائل انتشرت الاشتراكية في فرنسا وألمانيا،

وتؤثر تلك الوسائل على الخصوص إذا استندت إلى احتياجات ومشاعر وآمال جديدة.

وليس جريان الآراء السياسية - الذي هو أهم جريان نظرًا لتأثيره في وقوع كثير

من الحوادث - هو الذي يجب أن يلتفت إليه وحده، بل يقتضي أن يلتفت إلى حركات

الرأي الأخرى؛ لأنها تدل أيضًا على الحالة الفكرية في أحد الأدوار، فهذه الحركات تطبع

طابعها على الفنون والآداب حتى على العلوم، وتشتق الحركات المذكورة مما لبعض

النظريات، أو لبعض الرجال من نفوذ، ويعم أمرها بفعل العدوى النفسية التي هي

العنصر الأساسي في انتشار المعتقدات.

وكل من الكتُّاب، والمفكرين، والفلاسفة، والساسة يعمل ضمن دائرته في إيجاد

مجار للآراء تسير بها حضارة أحد الأزمنة، وعلى أقطاب السياسة وحدهم يعود أمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت