فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 160

هذه الطريقة هي التي أتت أكثر من غيرها بوثائق على النشاط النفسي اللاشعوري، وعلى

التصوف والتقليد، وانحلال شخصية الإنسان ... الخ، وهي على رغم كونها حديثة في

تطبيقها فقد علمها أكابر الكتاب والروائيين السابقين ك (شكسبير) ، حقًا لقد اكتشف

هؤلاء - لما فيهم من دهاء عظيم، ونظر ثاقب - حوادث لم يعينها العلم إلا أخيرًا،

فاطلعوا على أن (مكبث) متهوس، و (عطيل) مصاب بالصرع، و (هملت) سكِّير استحوذت

عليه وساوس الخوف، والملك (ليار) سخيف سوداوي ذو جنون غير مطبق، ومما يجب

ملاحظته هو أنه لو كان هؤلاء الأشخاص المشهورون في حالة اعتدال بدلًا من أن يكونوا

ذوي نفسية مختلة مذبذبة لما اهتم الأدب والفن بأمرهم.

مع اكتفاء هذه الطريقة الحديثة - حتى الآن - بالبحث عن الغرائز، وعن قليل من

الانفعالات البسيطة، فإنه يظهر أنها ستكون إحدى الطرق المعتبرة في المستقبل، يقول

أنصارها: إنه لابد من فحص أحوال الحيوانات الدنيا لفهم نفسية الإنسان، غير أن هذا

البيان لم ينل بعد ما يستحقه من الحظوة عند علماء النفس الذين يزعمون وجود فرق

قاطع بين عقل الإنسان وبين عقل الحيوان الذي هو دونه، فهم على عكس الطبيعة التي

لا تعرف مثل هذه الفروق القاطعة، فقد قطعنا الدور الذي كان (ديكارت) يعد فيه

الحيوانات آلات متحركة.

ومع ذلك فإن تطبيق الطريقة المذكورة كثير المصاعب؛ إذ نشاهد أن حواس

الحيوانات ومشاعرنا تختلف عن حواسنا ومشاعرنا، ثم إن من يود أن يكتنه الحيوانات

فعليه أن يلاحظ حركاتها وسكناتها ملاحظة وثيقة دقيقة، ولما كان هذا العمل شاقًا،

فإن علم نفس الحيوان - حتى العليا - لا يزال في المرحلة الأولى.

والطريقة التي اتخذناها في هذا الكتاب للبحث عن الآراء والمعتقدات يشعر القارئ

من الطرق التي ذكرناها آنفًا بأنها لا تصلح لبيان تكوين الآراء والمعتقدات وتطورها،

ولذلك فإننا مضطرون إلى الاستعانة بطرق أخرى، لقد حللنا - بعد أن درسنا ما

هو مرتع لنفوذ المعتقد من ذكاء، ومشاعر، ولا شعور ... إلخ - المعتقدات الدينية

والأخلاقية ... إلخ باحثين عن عللها وأسبابها القاهرة، ومن تاريخ الماضي، والحوادث

اليومية الحاضرة تتكون مقومات موضوعنا، فالمعتقدات العظيمة هي في الغالب تراث

الماضي، والذي يجلب النظر فيها كثيرًا هو كونها حافلة بالمستحيلات التي يرفضها العقل

النظري، وعندما نوضح كيفية اعتناقها يظهر لنا أن الرجل المتعلم والعالم الذي تعود

مناهج المختبرات الدقيقة يفقد في ميدان المعتقد كل ما فيه من ملكة انتقاد، ويؤمن

بالمعجزات، وسيكون لنا في البحث عن مظاهر السحر والشعوذة بينات قاطعة في هذا

الموضوع، وسوف نرى أن كثيرًا من مشاهير علماء الطبيعة زعموا أنهم عاشوا بين

الأشباح، وأن أحد أكابر الأساتذة في علم وظائف الأعضاء قصّ أنه استحضر الأموات

وحادثهم، وأن أستاذًا آخر ليس أقل فضلًا منه قال إنه رأى مقاتلًا لابسًا خوذة خرج

من جسم فتاة تامّ الأعضاء، كما دل على ذلك فحص دورته الدموية، وآثار تنفسه.

تثبت لنا هذه الحوادث أن العقل عاجز عن التأثير في أكثر المعتقدات خطأً، ولكن

لماذا يبدو من الإنسان مهما تكن تربيته سذاجة متناهية عندما يدخل في ساحة المعتقد؟

قد سعينا لاكتشاف هذا السر في توسيعنا نطاق البحث، فدرسنا مصدر الحركة في أنواع

الحيوان؛ فظهر لنا أن ما أتى به العلماء من إيضاح لم يكن ناقصًا أو لاغيًا إلا لمحاولتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت