فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 160

تعطش الإنسان في كل وقت إلى كشف مصيره، وإلى نيل معونة من قوى علوية تعتقد

أنها محيطة به، ومن هذا التعطش بدت أنواع السحر المختلفة، ولقد تعاطت الشعوب

جميعها فن السحر في جميع أجيال التاريخ، فزاول الناس في القرون القديمة استدعاء

الموتى والتنجيم والكهانة التي هي من فروع السحر مزاولة مستمرة.

والكهانة أي العرافة - التي استندت إلى وسائل متعددة، ولا سيما إلى أجوبة من

الآلهة يفسرها أناس هم كالوسطاء في الوقت الحاضر - هي أكثر أنواع السحر القديم

شيوعًا، والسحر في روما كان دينًا للدولة ذا كهنة عُهد إليهم بتفسير الحوادث، وقد

تمتع هؤلاء الكهنة بنفوذ عظيم، حتى أن قادة الجيوش كانوا لا يباشرون القتال قبل

أن يستشيروهم، وكثيرًا ما نقضت قوانين ونظم بعد أن أبدوا رأيهم فيها، وما ألغيت

جمعية العرافين في روما إلا في القرن الرابع بأمر من الإمبراطور (تيودوز) ، أي أيام

استفحل شأن الديانة المسيحية.

كان إيمان القدماء بالنبوءات المعزية إلى الآلهة عامًا، وقد كان لإله مدينة» دلف «

شأن كبير من هذه الجهة، فكان الناس يفدون إلى تلك المدينة من جميع أقطار العالم

ليستشيروا الإله المذكور، ثم صمت هتاف تلك الآلهة، وغاب سحر العالم الوثني عن

الوجود وقتما تم النصر للدين النصراني، ثم عاد السحر في القرون الوسطى، وما شأن

السحر في تلك القرون بالأمر المجهول، فعلى رغم حرق السحرة بالألوف لم يستأصل

الحرق شأفتهم، والزمان لا العقاب هو الذي قطع دابرهم.

إن أعمال السحر التي أعمت القرون الوسطى هي أدعى الحوادث للعجب، وهي

أقل الأمور إيضاحًا من قبل علم النفس في الماضي، ومع ذلك نرى أن للتلقين والعدوى

النفسية شأنًا كبيرًا في حدوثها؛ وذلك لأن الشهادات في مختلف القضايا التي أقيمت في

كثير من البلدان متطابقة، وأوجه الوصف للشيطان متماثلة، وكيفية اجتماع السحرة

به متشابهة.

ويظهر أن المنفعة الشخصية لم تؤثر في أولئك المتهوسين، إذ الشيطان لم يمن

عليهم بغير ما هو زهيد تلقاء ما يعرضون له أنفسهم من أنواع العذاب، وقلما كان

القضاء يلجأ إلى استنطاقهم بالدهق والعذراء 1 كيف يعترفوا له بجناياتهم، فالمتهمون

كانوا يصفون بوجه باش كيفية اجتماعهم بالشيطان، ومن هذا الوصف أن الشيطان

كان يظهر لهم على شكل ضفدع، أو هِر، أو كلب أسود، أو تيس ... الخ، وكان يطعم

أنصاره طعامًا من الجيف، وأنهم فضلًا عن رقصهم مع الشياطين ومجامعتهم لهم

كانوا يجلدون الضفادع الضخمة ليرغموها على إراقة سائل لزج ضارب إلى الخضرة

ليصنعوا منه مراهم ومساحيق.

واستمر فن السحر قرونًا كثيرة، ولم يشك القضاة في أثناء ذلك في صحة ما يُقص

عليهم من وجود طقوس سحرية غير مدققين في السبب الذي يدفع كثيرًا من الناس

إلى بيع روحهم إلى الشيطان تلقاء لذات دنيئة، كأكل الجيف ليلًا في أرض بور، وكيف

يرتابون من ذلك، والمتهمون كانوا يقرون بجناياتهم؟ ولهذا الإقرار كانوا يحرقون

السحرة من دون أن يبكتهم ضميرهم، وقد حرقوا في دوكية (لورين) وحدها أربع مئة

ساحر في عشرين سنة.

وليس من الإنصاف أن يعزوا إلى من ذهبوا ضحية السحر، أو مشابهة من

المعتقدات مزاجًا نفسيًا بعيدًا كل البعد من مزاج رجال الوقت الحاضر؛ لأن سذاجة

هؤلاء عظيمة كسذاجة أولئك، وإن بدلت شكلها، فالسحرة في القرون الوسطى وسحرة

السياسة ذوو الوعود الخلابة الوهمية في هذه الأيام، ومستخدمو الأرواح، وزاجرو الطير،

وضاربو الرمل، والمنوِّمون تنويمًا مغناطيسيًا جميعهم من فصيلة واحدة، فليس ما هو

مستحيل في هذا العالم الخادع، ولا فرق بين ما فيه من التهوس وبين الأحلام التي

نراها أحيانًا في المنام.

1 الدهق والعذراء من ضروب العذاب لحمل الإنسان على الإقرار بأمر - الناشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت