المشاعر لا تنفذ دائرة الشعور إلا بعد أن تنضج في منطقة اللاشعور نضجًا آليًا، وبما
أن الحوادث العقلية الشعورية هي أسهل إدراكًا فإن علم النفس لم يطلع على غيرها
في بدء أمره، إلا أن العلم الحديث دل - مستعينًا بطرق صحيحة غير مباشرة - على
أن الحوادث اللاشعورية تمثل في الحياة دورًا هو في الغالب أهم من الدور الذي تمثله
الحوادث العقلية، فيمكننا أن نقيس الحياة العقلية بالجزائر الصغيرة التي هي شماريخ
جبال عظيمة مستترة بالماء، وهذه الجبال هي اللاشعور.
معظم اللاشعور موروث عن الآباء، وما قوته إلا لكونه يمثل ميراث سلسلة طويلة
من القرون التي زاد كل منها فيه شيئًا، وقد أصبح شأنه الذي أغفل في الماضي من
الأهمية بحيث إن بعض الفلاسفة - وعلى الخصوص (ويليام جيمس) ، و (بركسون)
-أخذوا يفسرون أكثر الحوادث النفسية به، وبتأثير هؤلاء الفلاسفة ظهرت في العالم
حركة قوية ضد المذهب العقلي، وقد غإلى أنصار المذهب الجديد في التشيع فيه؛ فطفقوا
ينسون أن المنطق العقلي وحده يأتي بمبتكرات العلم والصناعة التي هي قوام حضارتنا.
ولم تنشأ المباحث التي منحت دائرة اللاشعور تلك الأهمية عن التأمل بل عن تجارب
أتي بها لغاية أخرى هي ليست إيجاد أدلة فلسفية، وإني أذكر من تلك التجارب مباحث
التنويم المغناطيسي، وانحلال الذات، والسير في المنام، واستخدام الأرواح ... الخ، غير أن
علة المعلولات لا تزال مجهولة، ففي علم النفس اللاشعوري كما في علم النفس الشعوري
يجب الاكتفاء في الغالب بالتحقيق والمشاهدة.
والذي يسيرنا في أكثر حوادث الحياة اليومية هو اللاشعور، فلا تلبث ممارسة إحدى
الصنائع أن تصبح سهلة بعد أن يصير اللاشعور مديرًا لها، وما الأخلاق القوية سوى لا
شعور مثقف مهذب.
ويمكننا أن نقول: إن اللاشعور هو عبارة عن مخزن مكتظ بالأحوال العاطفية
والذهنية؛ قد يتضعضع ولكنه لا يفنى أبدًا، ولو سلمنا بما نترصده من أعراض بعض
الأمراض لقلنا: إن العناصر التي تدخل في عالم اللاشعور تبقى فيه زمنًا طويلًا، بهذه
الصورة وحدها نفسر بعض الحوادث التي نشاهدها في الوسطاء، أو المرضى الذين
يتكلمون لغات لم يتعلموها، ولكنهم سمعوها في ريعان شبابهم.
والإلهام الذي هو أصل الدهاء والعبقرية يصدر عن اللاشعور الموروث، وعن التربية
الصحيحة، نعم يلوح لنا أن إلهامات القائد الذي يدوخ البلاد، ويتحكم في القدر،
والمتفنن الماهر الذي يبرز ما في الأشياء من رونق وجمال، والعالم الشهير الذي يستجلي
الأسرار هي أمور غريزية، ولكن اللاشعور الذي صدرت عنه هو الذي أنضجها مقدارًا
فمقدارًا، والمشاعر وإن أمكن أن تظهر بتأثير بعض العوامل العقلية إلا أنها تتكون في
عالم اللاشعور على كل حال، وقد ينتهي نضجها التدريجي بأن تظهر للعيان فجأة،
كالانقلابات الدينية والسياسية.
والمشاعر التي نضجت في عالم اللاشعور لا تنفذ دائرة الشعور إلا بتأثير أحد
المحرضات، وهذا هو السر في جهلنا أحيانًا مشاعرنا الحقيقية نحو ما يحيط بنا من
موجودات، وما أكثر المرات التي تكون فيها مشاعرنا، وما ينشأ عنها من آراء ومعتقدات
خلاف ما نظن، وفي بعض الأوقات يكون الحب أو الحقد مستوليًا على نفوسنا من غير
أن نعلم ذلك، وإنما يبدو لنا ذلك عندما نرغم على العمل؛ فالعمل هو بالحقيقة مقياس
المشاعر الذي لا ريب فيه، وبه يعرف الإنسان نفسه، وتظل الآراء بدونه ألفاظًا فارغة لا
معنى لها.