أنواع المنطق قد تتنضد أو تتحد أو تتعارك في الأشخاص أنفسهم، وقد يتغلب أحدها على
الأنواع الأخرى بحسب الزمان والشعوب أحيانًا من غير أن يبطل عملها تمامًا.
كان المنطق العاطفي يسوق القائد في أثينا إلى شهر الحرب على خصومه، وكان
المنطق الديني يدفعه إلى استشارة الآلهة في الزمن المناسب لإجراء حركاته، وكان المنطق
العقلي يملي عليه خططه، وفي أثناء جميع ذلك كان منطق الحياة يُعيِّشه.
وستتجلى لنا أوصاف أنواع المنطق في مباحثنا الآتية، ولكن لا يطمعن القارئ
باكتشاف كنهها في المباحث المذكورة، فهذا الكنه لا يزال مجهولًا حتى كنه المنطق العقلي
الذي بحث عنه أكثر من سواه، حقًا إننا لم نستدل على وجود أنواع للمنطق إلا بنتائجها،
وليس هذا شأنها وحدها، بل إن أكثر العلوم دقةً كالعلوم الطبيعية مجبورة على الاستناد
إلى فرضيات ومزاعم تحولت إلى حقائق محتملة عندما اقتضت الضرورة ذلك.
إن مباحث الضياء والنور والحرارة والكهرباء، وكل مباحث علم الطبيعة قائمة
على» فرضية الأثير «، وقد اقتضت الضرورة أن يسند إلى هذا الجوهر المجهول خصائص
يتعذر إدراكها، والتوفيق بينها، كالزعم بأنه أقسى من الفولاذ مع أن الأجسام المادية تسير
فيه دون أن تلقى صعوبة، فبعد أن كان علماء الطبيعة يعدون كثافة» الأثير «ألطف من
كثافة الغاز كثيرًا اضطروا لإيضاح إحدى الحادثات الجديدة إلى القول بأنه ذو ثقل أشد
من ثقل المعادن بملايين المرات.
فإذا كانت العلوم التي هي على جانب كبير من الصحة - كعلم الطبيعة - تستعين
بفرضيات، فإننا لا نعجب من سيرنا على مثل هذا النهج في علم كعلم النفس أشد
تعقيدًا من العلوم الأخرى، فعلماء الطبيعة لا يجزمون بوجود» الأثير «، وإنما يقولون: إن
» الأمور تجري كما لو كان الأثير موجودًا «، فلولا الزعم بوجود» الأثير «لاستحال تفسير
الحادثات، ونحن كذلك فإننا لا نجزم بوجود أنواع منطقية ذات كينونات منفصلة،
ولكننا نقول: إن الحوادث تجري كأن هذه الكينونات موجودة في الحقيقة.