فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 160

الفصل الخامس

كيف تموت المعتقدات؟

عنوان هذا الفصل صحيح من الوجهة التاريخية أكثر منه من الوجهة الفلسفية؛ لأن

المعتقدات - وهي تشبه الحركة التي بحثت عنها كتب الحكمة الطبيعية - تتحول

أحيانًا، ولكن من غير أن تموت، أي أن المعتقدات تغير اسمها، وهذا التغيير هو الذي

نسميه موتًا.

فبعد أن تشيخ المعتقدات ترد مورد السنة العامة، أي سنة الخمود والانطفاء،

وقبيل هذا الانطفاء، وبتعبير أصح: قبيل هذا التحول يظهر دورها الخطر، أي دور

الانقلابات.

يثبت علماء الطبيعة أن الجرم عندما يدنو من دوره الخطر تؤثر فيه تقلبات الجو

الحقيقية، فتحوله من غاز إلى مائع، ومن مائع إلى غاز، ويشاهد مثل هذا الدور الخطر

في كثير من الحوادث الاجتماعية، مثال ذلك: كون القطر الذي يستورد ذهبًا وبضعة

أنواع من السلع لا يلبث أن يصبح بفعل بعض المؤثرات الطفيفة ذا صادرات، وما يقع

في عالم الطبيعة، والاقتصاد السياسي يحدث مثله في عالم المعتقدات، أعني أنها متى

تتقلقل، ويعمل فيها البلى والدروس تدخل في الغالب في طور الخطر؛ فتصبح مستعدة

للتحول فجأة.

ويحدث هذا الطور الذي يتجاور فيه الشك واليقين عندما تتزعزع المعتقدات بفعل

الزمان أو غيره، وذلك قبل أن يتم تكوين المعتقدات التي ستحل مكانها، وفي تلك الأثناء

يرتبط أنصار المعتقدات بها ارتباط اليأس والقنوط، خائفين كما قال) بوسويه»: (من

الغم الذي يصيب الناس وقتما يضيعون حب ا لله. «

والواقع أن هذا الحب لا يزول من قلوبهم؛ إذ ما من إله يموت إلا ويقوم مقامه

إله جديد، غير أن الانتقال من عبادة إله إلى عبادة إله آخر لا يقع بسهولة، يؤيد ذلك

ما حدث في الأزمنة التي انقرضت فيها الوثنية من الحادثات ذات الشأن العظيم.

واليوم نمر من جيل تتجاذب الشعوب فيه آلهتها القديمة والآلهة التي لم يتم

تكوينها بعد؛ ولذا كان زماننا من أدوار المعتقدات الخطرة، والروح الشعبية بينما

تعتنق دينًا كبيرًا ثابتًا تتراوح الآن بين معتقدات هي على شيء من القوة مع كونها

مؤقتة، إذ تدافع عنها جموع ولجان وأحزاب كثيرة، والدليل على تلك القوة ما لأندية

الثورة الفرنسوية والجمعيات الماسونية من التأثير في أبناء الطبقات الوسطى، وما

للنقابات من الشأن في صنوف العمال، وما للجان الانتخابات من النفوذ في المدن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت