تلبثت أن تنتشر بالعدوى النفسية، ومما يعين على انقسام الأديان إلى فرق هو ما في
الكتب المقدسة من غموض والتباس، فلهذا الغموض والالتباس يقدر كل عالم لاهوتي
على تفسيرها وتأويلها حسبما يرى، ويفيدنا للوقوف على ذلك أن نتصفح الكتب التي
بُحث فيها عن مذهب اليسوعيين، وأتباع (توما) ، وأنصار (جانسينيوس) ... إلخ في
العفو والغفران، حينئذ نرى كيف تتيه النفوس التي ران الإيمان على قلوبها.
ويظهر أن أولي العبقرية أيضًا يضلون عندما يدخلون في ميدان المعتقد، مثال
ذلك: كتاب) ملبرانش (الشهير الذي سماه» التأملات «ونال رواجًا سنة 1684 حتى،
أنه بيع منه أربعة آلاف نسخة في أسبوع واحد؛ فقد جاء فيه: «إن لله هو الذي يشعر
ويفكر ويسير فينا، وهو الذي يحرك ذراعنا حتى في الأشياء التي نفعلها على رغم
أوامره، وليس المرء هو الذي يرفع ساعده نفسه، وإنما لله هو الذي يرفعه وقتما يريد
المرء ذلك، فالإنسان لا يقدر على الانفصال من لله الذي منحه إرادة جزئية، ومتى نفعل
الخير فالله هو الذي يفعله بنا، ثم إن المرء مسؤول عن عمل الشر لا عن عمل الخير،
فالشر يقع في العالم عندما يغفل لله عن صنعه، وهذا أمر لا ريب فيه؛ لأن الشر من
عمل المجرمين.»
فهذه النصوص المتناقضة نعدها اليوم صبيانية، ولكن لا يغيبن عن بالنا أن العالم
قد تزعزع بمثلها مرات عديدة، وأضاليل كلامية مثل هذه لا تخص الماضي وحده، ففي
الحال ما يعادلها، ولربما ظهر نظيرها في المستقبل؛ إذ إن معتقدات الوقت الحاضر
السياسية التي تقضُّنا هي كتلك من حيث البطلان، وسوف تصفها الأجيال القادمة
بجانب تلك.
وقد زعم المعتقدون في كل جيل أن إيمانهم قام على العقل غير عالمين أن ما فيه من
القوة ناشئ عن كون العقل غير مؤثر فيه، وكل ما للعقل من التأثير في المعتقد الديني
هو كونه يجعل المؤمن يعتبر أقاصيص الكتب المقدسة التي تناقض العلم الحديث
رموزًا.
ولا يقع انقسام المعتقد إلى مذاهب متشاكسة في الأديان ذات الأرباب المتعددة،
فهذه الأديان وإن كانت تتطور إلا أن تطورها يقع بانضمام آلهة جديدة إليها اعتبرت
قادرة جديرة بالتحية والتعظيم، وذلك هو السبب في كون الحروب الدينية التي خربت
أوروبا، وضرجتها بالدماء لم تقع في القرون القديمة الوثنية.
إذن فإنه كان أوْلى بالشعوب أن تبتدئ حياتها بالإشراك، وإني خلافًا للرأي السائد
أقول: إنها تنال خيرًا عميمًا لو بقيت مشركة، فالتوحيد بدلًا من أن يكون سببًا للرقي
قد أوجب وقوع حروب كثيرة خضبت الأرض بالدماء، وعاقت الفنون والفلسفة والآداب
التي أينعت في العصر اليوناني الوثني عن التقدم.
ولا يُعترض علينا بالقول: إن التوحيد مع ما يوجبه من حروب وإحراق بالنار،
والإخراج من الديار، والنفي من الأرض يؤدي إلى وحدة المشاعر أكثر من غيره، فعبادة
الوطن قد كفت لمنح الرومان المشركين أيام عظمتهم وحدة في المشاعر لا يعلو عليها
شيء.
ولو جارينا كثيرًا من المؤرخين والفلاسفة مثل (رينان) فاعتبرنا التوحيد أفضل
من أية عبادة أخرى؛ لكان الإسلام - وهو دين التوحيد الوحيد على وجه التقريب -
أفضل الأديان، أقول على وجه التقريب؛ لأن الأديان التي تدعو إلى التوحيد لم تكن في
غير الكتب، فلو نظرنا إلى النصرانية مثلًا لرأينا أنها لم تلبث أن أضيف إليها طوائف
من الملائكة والقديسين والجن هي بالحقيقة مثل الآلهة الثانوية القديمة في تقديسها
وخشيتها، ثم إن تلك الأرباب المتعددة التي تسربت في أديان التوحيد، وانقسام هذه
الأديان إلى فروق ومذاهب تثبت لنا أن التوحيد مبدأ نظري لا يناسب احتياجاتنا
العاطفية والدينية.
ولتطور المعتقدات الذي أشرنا إليه في هذا الفصل شأن كبير في التاريخ، وأما في
الفلسفة فلا فائدة من التحديث به، فالمعتقد غذاء لما يتطلبه احتياجنا إلى الإيمان، وقد
تبدل هذا الغذاء وسيتبدل، وأما الاحتياج فسيبقى بقاء طبيعة البشر.