العمل الأساسي للمنطق العقلي هو أن يؤلف هذا المنطق - مستعينًا بالتأمل وبالطريقة
المشروحة آنفًا - بين الصور النفسية، أو الكلمات التي تعبر عنها، وقد عُدَّ أساس
معتقداتنا زمنًا طويلًا مع أننا نرى أنه لم يكن سبب أي معتقد منها، وإنما الشأن الذي
قد يكون له هو أن يُتم زعزعة المعتقدات بعد أن يكون الدهر قد أكل قواها، وعلى ما
للمنطق العقلي من شأن هو كالمعدوم في تكوين المعتقد، فإنه ذو شأن كبير في تأليف
المعرفة، فهو الذي أقام صرح العلوم، وإليه تستند الصناعات الحديثة في تقدمها.
إذن لا يجوز لنا أن نبالغ في بيان قدرته، ولكن يجب أن نعلم الحدود التي لم
يتجاوزها بعد، فهو ليس ذا سلطان على حوادث الحياة والخواطر، ولم يضيء من هذه
الحوادث ذات الجري والانصباب سوى شيء قليل مشكوك فيه، وقد انحصرت دائرة عمله
في المادة التي استقرت مؤقتًا بفعل الموت أو الوقت.
ولما رأى العلماء أنه لا شريك للعلم في سيطرته على دائرة المعرفة ظنوا منذ أمد
بعيد أن المنطق العقلي الذي هو مصدر العلم ينفع لإيضاح تكوين المعتقدات وتطورها،
وقد استمر علم النفس على هذا الضلال قرونًا عديدة، إلا أنه الآن على وشك الخروج من
ضلاله؛ فقد دل الاختبار على أن الموجودات تتحرك وتسير قبل أن تعقل وتدرك، ولذلك
فهي مقودة في أعمالها بأنواع منطقية أخرى، وكلما أمعنا في هذه الحقيقة التي أرجع
إليها في الغالب لحداثة ظهورها نرى أن شأن المنطق العقلي ثانوي في حياة الأفراد والأمم.
لم يكن التعقل والإدراك أمرين ضروريين للسير والحركة، فأدنى الحشرات تسير كما
يقتضي من غير أن تهتم بمنطقنا، والعقل والإدراك هما فاعلان في الموجودات مستقلان
عن فاعل السير، وكثيرًا ما يزجران هذا الفاعل عن العمل بدلالتهما على أخطاره.
وبفضل ما في الناس من اندفاعات عاطفية ودينية يسيرون غير مطلعين على كيفية
تكوين أعمالهم، ومن العبث أن نؤثر فيهم بقوة الدليل العقلي؛ إذ إنهم لما فيهم من
إدراك قليل يسخرون من كل من ليس على طريقهم، وما مثل الذي يحاول أن يُدخل إلى
قلوبهم شيئًا من الأفكار العقلية إلا كمثل الطفل الذي يسعى في إدخال عضو كبير في
قمع الخياط، فعلى من يود أن يلزم الأفراد والشعوب ببعض الحقائق العقلية أن يزن
قبل ذلك كفاءتهم الدماغية.
وشأن المنطق العقلي في سياسة الشعوب ضئيل جدًا، ولا يتجلى هذا الشأن إلا في
الخطب، فالمشاعر لا العقل هي التي تسير الأمم وتقيمها وتقعدها، وسوف نرى في
باب آخر أن المنطق العاطفي هو الذي يخرج على الدوام ظافرًا في الصراع بينه وبين
المنطق العقلي. قال (ريبو»: (القول إن الفكر المجرد الجاف العاري من مسحة عاطفة -
كالقضية الهندسية - ذو تأثير في سير الناس هو زعم نفسي عقيم باطل. «فالوقت الذي
تستولي فيه براهين الفلسفة على العالم لا يزال بعيدًا، وإنما المعتقدات التي يستخف بها
المنطق العقلي هي التي قلبت العالم مرات كثيرة دون أن يقدر هذا المنطق على مقاومتها.