فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 160

الفصل الثاني

العدوى النفسية

العدوى النفسية هي أمر روحي ينشأ عنه التسليم ببعض الآراء والمعتقدات تسليمًا غير

إرادي، ومصدرها دائرة اللاشعور؛ ولذلك لا يؤثر فيها أي دليل أو تأمل، وتشاهد في

البشر والحيوانات، ولا سيما عندما يكونون في حالة جماعة، وهي من التأثير بحيث

تسيطر على التاريخ.

حقًا إن العدوى النفسية هي العنصر الأساسي في انتشار الآراء والمعتقدات، وقد تبلغ

بقوتها مبلغًا يجعل الإنسان يضحي بأكثر منافعه الشخصية وضوحًا، يؤيد ذلك أخبار

الشهداء، والمنتحرين، والجدع ... إلخ الذين لم يأتوا بما أتوا به إلا بفعل العدوى النفسية.

وقد تكون مظاهر الحياة النفسية جميعها سارية، ولكن الانفعالات هي التي تنتشر

بالعدوى على الخصوص، وتستطيع الإرادة في الأحوال العادية أن تحدد تأثيرها، غير

أن ظهور إحدى العلل - كتحول البيئة أيام الثورة تحولًا عنيفًا، وتحريض الشعب

إلخ - المبطلة لعمل الإرادة تجعل حكم العدوى يجري بسهولة محولًا ذوي الميول

السلمية إلى رجال أشداء محاربين، وأبناء الطبقة الوسطى الودعاء إلى أشياع متعصبين،

وبتأثير العدوى أيضًا يغير هؤلاء أحزابهم؛ فيأتون لإخماد الثورة بنشاط كالذي أوقدوا

به نيرانها.

ولا تسري العدوى بتماس الأفراد تماسًا مباشرًا، بل قد تنتشر بالكتب، والجرائد،

والحوادث البرقية حتى بالشائعات البسيطة، وكلما زادت وسائل النشر والإذاعة تداخلت

العزائم، وأثر بعض ها في بعض، على هذا الوجه نرتبط كل يوم بمن يحيطون بنا أكثر

من ذي قبل، وتكتسب النفسية الفردية شكلًا جامعًا.

وإني أعد الزمرة الاجتماعية التي ننتسب إليها أقوى أشكال العدوى النفسية تأثيرًا؛

إذ لا تقدر أية إرادة على التخلص منها، فهي تملي في الغالب آراءنا وأحكامنا من حيث لا

ندري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت