فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 160

لا يدعينَّ أحد أنه يعرف ذاتًا غير متقبلة أو لا تؤثر فيها الأحوال، وإنما الذي يمكنه أن

يقوله هو أن الأحوال إذا لم تتغير فإن سير الشخص الذي اختبره لا يتغير أبدًا، لا ريب

في أن رئيس القلم الذي أنشأ تقارير صادقة في عشرين سنة يستمر على إنشاء مثلها

بصدقه المعهود، ولكن يجدر بنا ألا نؤكد هذا القول كثيرًا؛ إذ قد تحدث أحوال جديدة

-كحرص شديد يستولي على بصيرته، أو خطر يهدد شرف أهله أو وطنه - فيصبح

مجرمًا أو بطلًا.

وتشاهد تقلبات الذات في منطقة المشاعر وحدها على وجه التقريب، وأما في منطقة

الذكاء والعقل فالتقلب ضعيف إلى الغاية، فالسخيف يبقى سخيفًا على الدوام، وتقلبات

الذات التي تمنعنا من معرفة أمثالنا معرفة حقيقية أساسية تمنعنا من معرفة أنفسنا

أيضًا، ولذلك كانت حكمة قدماء الفلاسفة القائلة»: اعرف نفسك بنفسك «نصيحة يتعذر

تحقيقها، فالذات الظاهرة تكون عادةً ذاتًا خادعة كاذبة، ليس لأن المرء يعزو إلى نفسه

كثيرًا من الصفات الحسنة دون أن يعترف بأية نقيصة فقط؛ بل لأن الذات وإن اشتملت

على قسط قليل من العناصر الشاعرة فإن أكثرها يتألف من عناصر لا شعورية يمتنع

اختبارها.

والطريقة التي يكتشف بها الرجل أمر نفسه هي الفعل والحركة، فهو لا يعرف

نفسه إلا بعد أن يختبر سيره في أحوال معينة، والقول بأننا نعلم مقدمًا كيف نسير في

أحد الأحوال المقبلة ليس إلا زعمًا وهميًا، فعندما أقسم المرشال (ناي) ل(لويس الثامن

عشر)أنه سيأتي ب (نابليون) أسيرًا في قفص من حديد كان صادقًا في يمينه، ولكن

نظرة من سيده (نابليون) جعلته ينقض عهده، وقد كانت عاقبة هذا القائد المنكود الحظ

أن أعدم رميًا بالرصاص جزاء جهله حقيقة نفسه، ولو كان (لويس الثامن عشر) ذا

اطلاع على نواميس علم النفس لعفا عنه على ما يحتمل.

تظهر نظريات الخلق التي شرحناها في هذا الكتاب متناقضة، فلقد قلنا مؤكدين:

إن المشاعر التي يتألف منها الخلق هي على جانب عظيم من الرسوخ والثبات، ثم أشرنا

إلى إمكان تقلب الذات، إلا أن هذا التناقض يزول إذا تذكرنا الأمور الآتية وهي:

أولًا: إن الأخلاق تتألف من عناصر عاطفية أساسية لا تتبدل على وجه التقريب، وتنضم

إليها عناصر أخرى ثانوية تتغير بسهولة كتغير العناصر التي يوجبها مربي الحيوانات

في النوع دون أن يغير صفاته الجوهرية.

ثانيًا: إن الأنواع النفسية كالأنواع التشريحية تخضع للبيئة خضوعًا تامًا، فهي مضطرة

إلى ملاءمة مع تقلبات هذه البيئة إذا كانت هذه التقلبات غير عظيمة أو غير فجائية.

ثالثًا: قد يلوح لنا أن المشاعر نفسها تغيرت عند تطبيقها على مواضيع مختلفة، مع أن

الواقع هو كون طبيعة هذه المشاعر لا تتغير أبدًا، فإذا انقلب حب الدنيا إلى حب لله

في بعض الأحوال فإن المشاعر تكون قد بدلت اسمها لا طبيعتها.

ولهذه الملاحظات فائدة عملية، فهي تعتبر قاعدة لكثير من المسائل المهمة في الوقت

الحاضر كمسألة التربية مثلًا. لقد شوهد أن التربية تغير الذكاء أو المعرفة الشخصية

فاستُنْتج أنها تغير المشاعر أيضًا، فدل ذلك على الجهل بأن الأحوال العاطفية والأحوال

الذهنية لا تتطور تطورًا متساويًا، وبتوغلنا في الموضوع نرى أن شأن التربية والأنظمة

السياسية ضعيف في مصير الأفراد والأمم.

يظهر أن هذا الرأي المخالف لمعتقداتنا الديمقراطية يناقض ما نشاهده من أحوال

بعض الأمم الحديثة أيضًا، وذلك ما يمنع من الإقبال عليه بسهولة.

يعترض البارون (موتونو) - سفير اليابان في بطرسبرغ، وأحد أقطاب السياسة

في الشرق الأقصى المشهورين - عليَّ في مقدمة كتبي المترجمة إلى اللغة اليابانية قائلًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت