ظهر لنا مما تقدم أن تقلبات الحس محدودة زمانًا واتساعًا، والاختيار يثبت أن الحس
يتراوح بين هذه الحدود، ومما يغير الحس على الخصوص تغييرًا متتابعًا هو المرض
والصحة والبيئة والحوادث، وما أشبه الحس في تقلبه بالبحيرة الذي يجعل النسيم وجهها
ذا أخاديد وعضون.
وتوضح لنا تلك التقلبات المستمرة لماذا تتحول أذواقنا وأفكارنا وآراؤنا على الدوام،
والتقلبات المذكورة تكون أشد من ذي قبل عندما تأخذ العادات والمعتقدات الموروثة التي
تحدد تقلبات الحس في الأفول، فعدم الثبات عند ذلك يصبح قاعدة.
ومن علل الآراء ما يحدد تقلبات الحس أيضًا، ونعدم من هذه العلل العدوى النفسية
التي تحدث عادات مؤقتة قادرة على منح تنقلنا شيئًا من الثبات، ومتى أصبح حس
المجتمع على شيء من الرسوخ المؤقت فإن آثارنًا مختلفة تؤلف معبرة عنه، وتعد هذه
الآثار مرآة الزمن.
وبعد أن يصفو الحس بفعل بعض المحرضات المكررة فإنه يدنو من الذوق الخالص
قليلًا، وكلما صفا الحس ينثلم حده، فأنغام) لوللي (التي كانت تسحر قلوب آبائنا تورث
فينا ضجرًا وملالًا، وأكثر الروايات الملَحَّنة التي نالت منذ خمسين سنة حظوة عند
الجمهور أصبح لا يلائم ذوقنا، وسبب ذلك كون مسألة توافق الأصوات حلت بالتدريج
مكان مسألة النغم، فيقتضي لإطراب الحواس التي أعياها التعب في الوقت الحاضر إيجاد
شيء من الشذوذ في الألحان كان يُعَدُّ خطأ عند مقترعي الأنغام في الماضي.
تدلنا آثار أحد الأزمنة على شعور ذلك الزمان وتقلباته، ولكون هذه الآثار عنوانًا
صادقًا للشعور الذي ساد الزمان المذكور فإنه يسهل توقيتها، ولمثل هذا السبب تكون
الآثار الفنية أفيد من كتب التاريخ، فلما كان المؤرخ ينظر إلى الماضي من خلال شعوره
الشخصي الحاضر، فإن شروحه تكون بحكم الطبيعة غير سديدة، والقصص والروايات
وألواح التصوير والمباني هي على خلاف كتب التاريخ مصدر معرفة صحيح موجب
للاعتبار والالتفات.
ولا ينقل الحس زمانًا ومكانًا؛ فلا شك في أن البناء العظيم الذي يقوم مستعينًا
بعناصر تخص قرونًا قديمة، أو شعوبًا مختلفة يمس شعورنا لاشتقاقه من مشاعر
تناقض مشاعرنا، ولو تغير شعورنا بتأثير تطور النوع لأصبح ما نعجب له الآن من
آثار الماضي- كالبارتنون، والكنائس الغوطية، والقصائد الغراء، والتصاوير، والنقوش
الشهيرة - غير جديرة بأن نتأمل فيه، وليس من الضروري أن يكون تطور الشعوب
مديدًا لتستخف بما تعجب به الآن، فيكفي لذلك أن تستمر التربية على انتحائها الحاضر
نحو الاختصاص، وأن يدوم اقتراب الجموع من القبض على زمام الأمور اقترابًا سريعًا؛
لأن آثار الفن في نظر الجموع كناية عن نفائس وكماليات تستحق الإهانة، فعندما
استحوذ نظام» الكومون «الذي هو عنوان روح الجماعات الصادق لم يتأخر رجاله عن
حرق أجمل مباني باريس كدائرة البلدية، وقصور التويلري، والمصادفة هي التي أنقذت
قصراللو?ر، وتحفه من يد التخريب.
ومهما يكن مستقبل آثار الماضي فإنها لا تزال ماثلة للعيان، وهي التي ترشدنا
إلى تاريخ الحس والشعور، فلولا هذه العناصر المستنبطة من الأدب والفن لما اطلعنا
على شعور الأزمنة، ولجهلناه كما نجهل سكان البرجيس، وما في الأزمنة من معقول
نقف عليه في كتب العلم؛ لخلوها من سمات مؤلفيها العاطفية، فإذا كانت الروايات تنم
على تاريخها بنفسها مثلًا فإن رسائل الهندسة ليست كذلك، فقد يمكن أحد الرياضيين
المتأخرين أن ينتحل رسالة (أوقليدس) الهندسية القديمة التي لا تزال تُدَرَّس؛ لأن
(أوقليدس) لما وضع رسالته استعان بالمعقولات التي لا صلة بينها وبين الحس والمشاعر
أبدًا، فالعقل يضع حقائق عامة خالدة، والحس يضع حقائق خاصة زائلة.