بين الرأي المؤقت وبين المعتقد التام الذي يستولي على العقل وقوة التمييز مراحل قلما
قطعت، وحينما تجاز في بعض الأدوار النادرة تشتد اندفاعات المرء الدينية، وما توجبه
من المشاعر حتى لا تقدر على ردعها جميع الزواجر الاجتماعية، وعقوبات القوانين،
ووقتئذ يظهر أمثال (بوليوكت) الذي حطم الأصنام، والشهيد الذي لم يبال بسيف
الجلاد، والعدمي الذي رمى قنبلة بين جم غفير ليقتل أميرًا.
ومتى بلغ معتقد المرء هذه الشدة لم يقم في وجهه حاجز فيستولي على أوضح
منافعه، وأعز مشاعره، ويجعله يرى الخطأ صوابًا، والصواب خطًا، ويدفعه إلى
التضحية بنفسه في سبيل نشر إيمانه، والذود عنه.
والشهداء جميعهم ذوو نفسية واحدة، أي لا فرق بين نفسية من ذهب منهم
ضحية السياسة، ونفسية من ذهب ضحية الدين، أو المبادئ الاجتماعية، ولما سحرتهم
حلاوة المبدأ ضحوا بأنفسهم بوجوه مبتسمة انتصارًا له غير طامعين بثواب في الدنيا،
ولا في الآخرة أحيانًا، يؤيد ذلك تاريخ العدميين والإرهابيين في روسيا الذين يلقون
بأنفسهم إلى التهلكة غير راجين دخول ملكوت السماوات.
ومن حسن الحظ أن عدد هؤلاء المتهوسين قليل في كل دور، ولو زادوا لقلبوا
العالم، والبحث عن الشهداء هو من خصائص علم الأمراض النفسية، ولما بين المتهوسين
من شبه كبير على رغم التباين بين معتقداتهم فإن درس اثنين أو ثلاثة منهم يؤدي إلى
الوقوف على حقيقة الباقين.
ولا ينشأ عن الإيمان تحول في الآراء فقط، بل تتبدد أمام سلطانه مشاعر
قوية إلى الغاية، كالخوف، والحشمة، وحب الأبوين، ويشهد بصحة هذا القول تاريخ
الشهداء الذين نعد القديسة (بيربيتوا) التي ظهرت في عهد الإمبراطور (سبتيم سي?ير)
الروماني مثالًا لهم، فهذه القديسة الجميلة الثرية التي هي بنت رئيس مجلس شيوخ
» قرطاجنة «والتي اعتنقت الديانة المسيحية سرًا فضلت عرضها عارية أمام الجمهور،
لتلتقمها الحيوانات المفترسة على أن تحرق اللبان في الهيكل الإمبراطوري.
ومما يعتقده المؤمنون هو أن هذه الأحوال دليل على قدرة آلهتهم، فلا ريب في أن
هذا الاعتقاد وهم باطل؛ ذلك لأن جميع الأديان والمذاهب السياسية لها شهداء كالذين
أشرنا إليهم.
ومن بين ألوف الأمثلة نورد الديانة البابية التي انتشرت منذ ستين سنة في بلاد
فارس مثلًا على ما ذكرنا:
ولقد ظن الشاه آنئذ أنه يقدر على إطفاء هذا الإيمان الجديد بسوم أنصاره
سوء العذاب، ولكن انظر ماذا حدث حسب تقرير (غوبينو (»:تقدم الأطفال والنساء
نحو السيَّافة، وهم ينشدون بصوت عال: «لله خلقنا، وإليه مردنا «ومما شوهد على،
الخصوص أن جلادًا قال لوالد: إنه سيضرب على كتفيه عنقي ولديه إذا لم يرجع عن
مذهبه، فأجاب الوالد ملقيًا نفسه على الأرض أنه لا يبالي بذلك، ثم تقدم ولده الكبير
-وكان في الرابعة عشرة - طالبًا بصفته أكبر الابنين أن يذبح قبل أخيه، وكان أحد
أشياع الباب وهو معلق على سور تبريز لا ينطق إلا بهذه الكلمة وهي: إلهي، هل أنت
راضٍ عنّي.»؟
ومثل ذلك الاضطهاد الذي عاناه في هذه الأيام أنصار مذهب (السكوبسي) في
روسيا، وأتباع مذهب (المورمون) في الولايات المتحدة، وقد فضل جميع هؤلاء العذاب
على الرجوع عن إيمانهم.
تثبت هذه الحوادث، وما شاكلها ما في الروح الدينية من قوة قادرة على تبديد
الألم، وعلى قبر المشاعر التي يقوم عليها كيان الإنسان، فماذا يستطيع العقل أن يفعل
أمامها؟
لا تُحرّك الجموع بالبراهين العقلية، وأما بالمعتقد فيمكن التغلب عليها على الدوام،
والعقل - على ما فيه من سلطان - يقدر أن يقاتل به الطبيعة، ويعجز عن تكوين