فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 160

الباب الثامن

حياة المعتقدات

الفصل الأول

صفات المعتقد الأساسية

لقد عرّفنا المعتقد في الفصل الأول من هذا الكتاب بأنه الإيمان، وذكرنا الفرق بينه وبين

المعرفة، وتكلمنا بإيجاز عن شأنه، وأما الآن فسنبحث عن حياة المعتقدات.

إن العناصر التي يتألف منها كياننا تتصل بثلاث أنواع من الحياة ... أعني: الحياة

العضوية، والحياة العاطفية، والحياة العقلية، والاحتياج إلى الاعتقاد هو من مظاهر

الحياة العاطفية، وهو في تجبره وسيطرته كالجوع والحب، وبما أن المعتقد هو احتياج

مهيمن على طبيعتنا العاطفية، فإنه لا يكون إراديًا عقليًا، ولا يقدر العقل على تكوينه

وتسييره.

ومهما يكن عرق الناس، ووقت ظهورهم، ودرجة جهلهم، وعلمهم فإنهم سواء في

عطشهم إلى المعتقد، فكأن المعتقد غذاء نفسي ضروري لحياة الروح كضرورة الغذاء

المادي لحفظ الجسم، وما مبدأ الشك العام الذي قاله (ديكارت) غير خيال وهمي، فإذا

دخل المرء في طور اللاأدرية فذلك لأجل قصير، والحكيم وإن كان لا يعتقد الأمور

كالجاهل، إلا أن الأشياء التي يؤمن بها قلما تكون قائمة على الدليل والبرهان.

وقد أوضحنا الفرق بين المعتقد والمعرفة في أوائل هذا السفر إيضاحًا كافيًا؛ فرأينا

أن المعتقد إيمان أينع في عالم اللاشعور، ويحتاج لإثبات أمره إلى أية حجة تدعمه،

مع أن المعرفة هي بنت الحياة الشاعرة، وتقوم على التجربة والاختبار، فبالمعرفة نعلم،

وبالمعتقد نسير، ولو ألزم الإنسان اكتساب المعرفة قبل أن يسير لاعترته البطالة والجمود

زمنًا طويلًا، وقد ظلت المعتقدات وحدها أدلاء البشر قرونًا عديدة، فهي التي أنارت لهم

السبل في جميع المسائل، ولم تكن الأديان منشأ احتياج الناس إلى الإيمان، بل إن هذا

الاحتياج هو بالعكس علة الأديان، فمتى ترك المرء دينه لم يلبث أن يعتنق بغريزته

معتقدًا آخر صنمًا كان أم سحرًا، أم خرافة سياسية ... الخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت