فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 160

ومن حسن الحظ كون ثوران الآراء الشعبية - الخطر - لعدم تأثير العقل فيه

لا يدوم طويلًا، ولا تفعل مقاومته مباشرةً غير تحريكه، فقد كان إصرار أركان الحرب

أيام قضية (دريفوس) على نقض بضع وثائق سببًا في تهييج الرأي العام وفورانه.

وبجانب الحوادث المشهورة التي أشرت إليها آنفًا نشاهد ضروبًا صغيرة لثوران

الرأي، فيكفي لإيقاظها استعمال بضعة ألفاظ تؤثر في المشاعر، وقد جربت ذلك في أمر

بارز بسيط إليك بيانه:

كانت إدارة الأملاك الأميرية قررت لأسباب اقتصادية بيع قطعة من حديقة» سان كلو «

مقيدة في سجلات الإدارة المذكورة باسم غابة» فيلنوف ليتان «وبما أن إمضاء هذا،

البيع نكبة على سكان تلك الضاحية الذين تعودوا النزهة في الحديقة المذكورة، فكيف

يحال دون انعقاده؟

لقد عُلقت إعلانات البيع الرسمية على الجدران، وحيث إن الجمهور لا يعرف

مدلول ذلك الاسم الإداري لم يحرك ساكنًا، غير أنني وجهت نظر مقرري لجنة الميزانية

إلى هذا الأمر ذي العلاقة بالمنفعة العامة فوعدوني خيرًا، ثم مرت الأيام تلو الأيام ولم

يبق ليوم عقد البيع البات القاطع سوى أسبوع واحد، وفي تلك الأثناء علمت أن البيع

سوف ينعقد مع أحد يهود ألمانيا، فنشرت في إحدى الصحف الكبيرة مقالة موجزة

عنوانها»: بيع حديقة» سان كلو «إلى الألمان «،وما كان الخبر يعم حتى حدث ثوران في

الرأي العام؛ فتهافت فوج من مراسلي الصحف على بلدية» سان كلو «لاستقصاء حقيقة

الأمر، وملأت الجرائد أعمدتها بمقالات طنانة عن هذا الموضوع، ثم استُجوب الوزير في

مجلس النواب فصرح بالعدول عن البيع في الحال والمستقبل.

وهكذا كفى لنيل النتيجة المذكورة نشر ثلاث كلمات، فكلمات مثل هذه هي من

الصيغ المؤثرة القادرة على تحويل المشاعر الفردية إلى عزم جامع شامل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت