خلق التدين هو البقعة التي تنبت فيها المعتقدات الدينية والسياسية وغيرها، وتشاهد
نتائج هذا الخلق على الخصوص عند الهمج، فلما كان لا علم لهؤلاء بسنن الكون فإنهم
يعيشون في عالم مفعم بالأرواح التي تجب قراءة العزائم عليها بدون انقطاع، ويتوهمون
على الدوام أنه يوجد خلف كل حقيقة ظاهرة قدرة خفية تسببها، وأما الرجل المتمدن
فذو معتقدات أرقى من تلك؛ لأنه مشبع بتأثير التربية من المبدأ القائل بوجود نواميس
ضرورية في عالم الطبيعة لا يستطيع أن ينكرها، إلا أنه يعتقد أنه بصلواته يتمكن من
جعل قوى ما بعد الطبيعة توقف عمل تلك النواميس، فعلى هذا الوجه يجتمع المنطق
الديني والمنطق العقلي أحيانًا في نفس واحد من غير أن يؤثر أحدهما في الآخر.
وما في المؤمن الحقيقي من سرعة التصديق فلا حد له بوجه عام، وأعظم المعجزات
لا تلقي في قلبه حيرة؛ إذ لا نهاية لما يعزوه إلى لله من قدرة.
إنه جيء به»: صندوق يقول الإعلان الذي وُزّع على زائريها «أو?يدو» يُرى في كنيسة
بغتةً من مدينة القدس بواسطة الرياح، وإنه يحتوي على لبن من لبن أم يسوع المسيح،
وشعرات مسحت بها القديسة هيلانة رجلي مُخَلِّص العالم، والعصا التي فلق بها موسى
فهذه الوثيقة التي هي واحدة من ألوف. «البحر الأحمر، وجفير القديس بطرس ... الخ
من الوثائق المتماثلة تثبت لنا كيف أن العقيدة الدينية شديدة التأثير، ونعد من نوع
الوثيقة المذكورة بقية جسد أحد القديسين الموضوعة في صندوق ذهب محفوظ في إحدى
الكنائس العظيمة، وحبل المصلوب، فعلينا أن ننظر إلى تلك الوثائق بعين مغضية، وقلب
سمح؛ ذلك لأنها وليدة آمال السعادة أولًا، ولكونها صادرة عما في النفس من احتياجات
متأصلة ثانيًا.
وإذا نظرنا إلى المنطق الديني من خلال جميع عناصر الحياة الاجتماعية، فإننا نراه
ذا تأثير في الفنون والآداب والسياسة، وصنعة الشفاء، فما الدور الروائي إلا أحد مظاهره،
وليس عند أرباب الفن سوى عقائد دينية تجعلهم لا يعبأون بطرق التحليل العقلي،
ويتجلى تأثير الروح الدينية في عالم السياسة على الخصوص؛ فالأحزاب الرديكالية،
واللاإكليروسية، والمتطرفة تعيش على جانب عظيم من التدين.
ولا تزال البقاع التي ارتادها العلم محدودة إلى الغاية مع أنه لا حد لرغباتنا. ولا شك
في أن سيطرة المنطق الديني على البشر ستمتد زمنًا طويلًا بعد، فهو بإيجاده القوانين،
والعادات، والأديان قد ولد جميع الأوهام التي سيرت النوع الإنساني حتى يومنا هذا،
وهو من القوة بحيث يقدر على جعل الخيال حقيقة، وبتأثيره عرف ملايين من الرجال
الفرح، أو الألم، وما في العالم من مثل عليا فصادر عنه.