فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 160

تبحث رسائل المنطق بحثًا دقيقًا عن العناصر التي يتكون منها الحكم، ومع ذلك سهت

عن العدوى والنفوذ، والعدوى والنفوذ هما الناظمان لأكثر آرائنا.

سأبحث عن العدوى النفسية في فصل آتٍ، وهنا أدرس النفوس درسًا موجزًا؛ لأني

قتلته تمحيصًا في كتب أخرى.

في المدارس يتعلم الطلاب أن التجربة والاختبار حلَّا مكان النفوذ، ولكنه يسهل

إثبات خطل هذا الزعم: فلو نظرنا إلى الآراء العلمية - دون أن نلتفت إلى الآراء الدينية،

والسياسية، والخلقية؛ حيث لا شأن للدليل فيها - لراينا أنها في الغالب لا تمثل سوى

نفوذ قائلها، وأنها تنتشر بالعدوى، ولا يكون الأمر خلاف ذلك؛ إذ لما كان أكثر التجارب

والاختبارات العلمية من التعقيد بحيث يصعب تكرارها، فإنه يُسَلَّم بكلام العالم الذي

يشرحها، ولذلك يحق لنا أن نقول: إن نفوذ الأستاذ في الوقت الحاضر هو كما في زمن

(أريسطوطاليس) ، ويزداد هذا النفوذ كلما أصبح الاختصاص العلمي أعظم منه في

الماضي.

ولكون النفوذ أساس أكثر الآراء التي تلقيها التربية في الذهن فإننا نتدرب على

اعتقاد رأي يبديه عالم ذو نفوذ بسهولة، أجل إننا قد نأتي بأحكام هي على جانب من

الإصابة في مواضيع مهنتنا، وأما المسائل الأخرى التي يأتي بها رجل نافذ فإننا نفضل

أن نسلّم بها تسليمًا أعمى على إعمال الفكر فيها مباشرةً.

ويتوقف مصير أقطاب السياسة، وأرباب الأعمال، والمتفننين، والكتاب، والعلماء على

ما فيهم من نفوذ خاص، وقدرة على تلقين الناس تلقينًا غير شعوري، وقد ينجح الأبله

أحيانًا في نشر رأيه؛ لأنه لما كان غير شاعر ببلهه لا يتردد في توكيد رأيه، ويصبح بذلك

ذا نفوذ.

وسنثبت بأمثلة بارزة - عندما نعود إلى هذا الموضوع في الباب الذي خصصناه

للبحث عن المعتقدات بحثًا تجريبيًا - أن النفوذ هو في الغالب أحد العوامل التي تجعل

العالم النَّحرير معتقدًا، وللنفوذ الذي هو موجد الآراء، وسيد العزائم قوة أدبية تعلو

القوى المادية، فلما عاد) نابليون (وحده من جزيرة» إلب «افتتح بنفوذه جميع فرنسا

في بضعة أيام، وقد خرست أمام إكليل مجده مدافع الملك، وتشتت شمل جيوشهن وقد

كان نفوذ (نابليون) عظيمًا حتى أنه أثر في أعدائه، فبدلًا من أن تمقت (ماري كارولين)

-زوجة أمير من عائلة البوربون المالكة - ذلك العدو الرهيب عدَّته إلهًا، وإليك ما جاء

في إحدى رسائلها:

إن (بونابارت) هو أعظم رجل أظهرته العصور، فأعجب به من رجل قوي

ذي نجدة ومروءة، ونشاط وعبقرية لا تبارى، ويا سعادة الأمة التي يوجد على

رأسها ملك مثله!، ولذلك تراني على ما فيَّ من كره للنظام الجمهوري، وحب

لتقويض دعائمه أرجو بقاء) بونابارت. (

وقد كان شأن النفوذ في شوكة الملوك عظيمًا إلى الغاية، حتى أن (باسكال) قال:

«يجب على المرء أن يكون ذا عقل نقي خالص، فلكي ينظر إلى ملكه - وهو في قصره

الذي يحرسه أربعون ألف جندي - كما ينظر إلى بقية الناس» وفي الجيل الحاضر،

الذي هو جيل المساواة نرى نفوذ الملوك لا يزال محافظًا على شأنه، فيجمل بالملوك أن

يحافظوا عليه بحكمة.

كتب الموسيو) نوزيار (مراسل إحدى الصحف المهمة: «إن جميع من حضروا جنازة

ملك إنكلترا قد عجبوا من تأثير إمبراطور ألمانيا في الجميع حينما كان يمشي في وسط

الملوك، حقًا إن (غليوم) يكتسب باعتقاده أنه ظل لله في الأرض عظمة غريبة تدهش

الناس.»

والجماعات - نظرًا لاحتياجها إلى العبادة - لا تلبث أن تعبد أشخاصًا يؤثرون

فيها بنفوذهم، والزعيم لا يحافظ على نفوذهم بالتملق لها، فهي وإن كانت تبحث عن

مداهنين لها إلا أنها سرعان ما تحتقر من يتملقها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت