يوجد فوق أهواء المشترعين الذين لا يفتأون يسنون القوانين في سبيل إصلاح المجتمع
سيد قاهر، أعني: الضرورة، فالضرورة - وهي لا تبالي بتأملاتنا - تمثل القدر القديم
الذي كانت الآلهة نفسها مكرهة على الخضوع له.
والاختلاف بين أوامر المشترعين العمي، وبين الضرورة المسيطرة على الأشياء يزيد
كل يوم، ومع ذلك الاختلاف نرى أن المجتمع الفرنسوي يعيش على رغم قوانينه لا
بقوانينه.
والمشترعون لظنهم أنهم قادرون على عمل كل شيء لا يبقى ما هو غير ممكن
في نظرهم، فيكفي عندهم أن يكون الشيء سديدًا ليكون ممكنًا، ولكن الضرورة، ولا
تلبث أن تبدد بيدها الحديدة جميع أوهامهم وخيالاتهم، ونرى في التدبير القاسية التي
أملتها الضرورة في أستراليا ضد الاعتصابات المهددة لحياة تلك البلاد، والمؤدية إلى خرابها
مثالًا بارزًا على ذلك، والغريب في هذه المسألة هو أن أعضاء الوزارة الأسترالية كانوا من
الاشتراكيين المتطرفين.