تبين لنا ما للعقل من الشأن الضئيل في مقررات صفوة الرجال وأحكامهم، وشأن العقل
يكون أقل من ذلك في تكوين الآراء اليومية؛ إذ إننا بالحقيقة نرى آراء مختلفة في مواضيع
لو تناولها العقل لم يصدر فيها سوى أحكام متجانسة، ويتجلى هذا الاختلاف عند
الوقوف على شأن العناصر الدينية، والعناصر العاطفية في تكوين الآراء.
ولا ينشأ اختلاف الرأي - كما يزعمون أحيانًا - عن تفاوت في تعلم الذين يبدونه،
لأننا نشاهد صدور هذا الاختلاف عن أناس تقاربوا علمًا وذكاءً، وقد يثبت لدينا ذلك عند
اطلاعنا على الأجوبة التي جمعت في أثناء استقراء بعض المسائل المعينة.
ومن بين الأمثلة الكثيرة أورد مثالًا بارزًا نشره الموسيو (بينيه) في إحدى المجلات
وإليكه: لما أراد الموسيو (بينيه) أن يطلع على نتائج حذف تاريخ الفلسفة من برامج
المدارس الثانوية أرسل سؤالًا إلى جميع الأساتذة الذين كانوا يدرسون عن رأيهم في
الحذف المذكور، إلا أن الأجوبة التي أخذها عن ذلك كانت متناقضة؛ إذ عد بعض
الأساتذة حسنًا ما عده البعض الآخر مضرًا، ثم سأل الموسيو (بينيه) مستنتجًا»:كيف
يستحسن أستاذ إصلاحًا يمقته زميله؟ فيا له من أمر مفيد أثبت للأساتذة أن آراء البشر
تكون نسبية حتى آراء أصحاب الكفاءة من الرجال. «!
وقد حدث مثل التناقض المذكور في جميع المواضيع، وفي كل زمان، ومع ذلك فإن
الإنسان مضطر إلى اختيار أحد الآراء كي يسير في الحياة، فكيف يقع هذا الاختيار؟
اكتشف الناس حتى الآن طريقتين فقط: إما قبول رأي الأكثرية، وإما قبول رأي رجل
واحد نُصِّب ملكًا، ومن هاتين الطريقتين تشتق جميع النظم السياسية.
لا شك في أن الرأي إذا دعمته الأكثرية لا يكون لهذا السبب أرقى من الرأي المخالف،
كما أن رأي الفرد الذي ألزم الناس به قد لا يكون أسمى من غيره، وإنما ضرورة السير
هي التي توجب اختيار إحدى الطريقتين، فلولا الاختيار لوقع تذبذب في الأمور، وبطل
السير والحركة.
ورأي الفرد الذي هو على جانب كبير من الفضل والعبقرية يكون على العموم أرقى
من رأي المجموع، ولكن إذا كان الفرد قليل الفضل فإن آراءه قد تكون كثيرة الخطر،
ومن يتصفح تاريخ ألمانيا وفرنسا منذ خمسين سنة يشاهد أدلة عديدة على فوائد تينك
الطريقتين ومحاذيرهما، أي استبداد الفرد، واستبداد المجموع.