بدائرة القانون نفسها غير ناظرين إلى الأحوال الخصوصية، ولذلك لا يذكر المحامون
أمامهم أدلة مصدرها العاطفة، بل يحاولون أن يؤثروا فيهم ببراهين العقل، فدقائق
القانون هي التي تستولي عليهم من كل الوجوه، ولا يخلو ذلك من خطر؛ لأن قاعدة
الحقوق التي تكون عند وضعها صائبة لا تلبث أن تصبح غير صائبة بفعل تطور الأمور
الاجتماعي، ووقتئذ يجب تأويلها على وجه موافق لمقتضى الحال كما يفعل بعض القضاة
في أحكامهم التي هي فاتحة التشريع، على هذه الطريقة صارت المبارزة جنحة بعد أن
كانت جناية، وكذلك زناء الأزواج الذي كان جناية يعاقب فاعلها بالسجن سنين طويلة
أصبح جنحة خفيفة.
ظهر مما تقدم أن آراء بعض الرجال المتعلمين المتصفين بمزية الإنصاف، والمتجردين
عن الهوى تكون في الغالب مختلة، وهذا ما يؤيد بياننا القائل: إن العقل وحده لم يكف
لتنوير بصائرهم، وتثقيف أذهانهم.
وإذا لم ننظر إلى تلك الصفوة، بل إلى الاجتماعات كالمجالس النيابية التي يكون
أعضاؤها في الغالب سائرين وراء مصالحهم الشخصية، وحرصهم السياسي نرى أنه لا
شأن للعقل في مقرراتهم، حتى أنهم لا يستمعون أحيانًا إلى ما يمليه العقل من براهين،
وهم لا يقترعون إلا على ما توحيه إليهم منافع أحزابهم، أو مآرب منتخبيهم.
أجل، إنه يستشهد بالعقل في المجالس النيابية، غير أن العقل هو أقل العوامل تأثيرًا
فيها، ويعلم نوادر الزعماء الذين يستطيعون أحيانًا أن يغيروا اقتراع أحد الاجتماعات
السياسية أنهم لا يؤثرون بالمعقول في السامعين، بل بتحريكهم مشاعر هؤلاء، ويستعينون
على ذلك ببضع صيغ لها ما لآيات الدين من التأثير.