فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 160

الفصل الثاني

منطق الحياة

أبسط حوادث الحياة في الظاهر كالتي تشاهد في الخلية الواحدة هي على جانب كبير

من التعقيد، فلمظاهر هذه الحوادث ارتباط وثيق يشبه ارتباط العناصر العقلية الذي

نسميه المنطق، ولذلك ليس ما يمنعنا من إطلاق اسم المنطق عليها أيضًا.

ويسيطر منطق الحياة على جميع الحوادث الجثمانية، فما تأتي به خليات الجسم

من أفعال لم يكن آليًا، ويتحول بحسب مقتضيات الزمن، فكأن هذه الأفعال مقودة من

عقل خاص يختلف عن عقلنا اختلافًا كليًا. ولإثبات ذلك نكتفي بنقل هذه العبارات التي

وإليكها:، «تطور المادة» جاءت في كتابي المسمى

تأتي البُنَى الذَّرَّيِّة التي تصنع الخليات بأعمال نطاسية لا نقدر على الإتيان

بمثلها، بل ولا بمثل ما هو دونها في مختبراتنا، فهي تقدر على تحليل

أمتن الأجسام وأصلبها كالكلورور دوسوديوم، واستخرج الأزوت من الأملاح

الأمونياكية، والفوسفور من الفوسفات ... الخ، تدير هذه الأفعال الغربية

المتجهة نحو أحد المقاصد قوى مجهولة تسير كأنها ذات ذكاء أرفع من

ذكائنا، وما تنجزه القوى المذكورة في أدوار الحياة من عمل أسنى جدًا مما

يقدر أرقى العلوم على فعله، وسيعتبر العالم الذي يستطيع أن يحلل بذكائه

وسعة عقله ما تقدر خليات أحقر الموجودات على تحليله كآلة لسموه على باقي

البشر.

تؤيد أفعال الحياة الجثمانية أنها مضطرة إلى التحول حيثما وجدت، فإذا دخل في

تركيب الموجود شيء غير نافع فإنه لا يلبث أن يُزل أو يُنْبَذ، وأما الشيء المفيد فإنه يرسل

إلى الأعضاء فيتحول هنالك تحولًا عجيبًا، وتشتبك هذه الأفعال التي لا يحصيها عد من

غير أن تتضرر؛ ذلك لأنها تسير سيرًا هو غاية في الإتقان والإحكام، ومتى تقف حركة

المنطق الدقيق الذي يدير المراكز العصبية فإن الموت يقع لا محالة.

وعليه يجوز تسمية تلك المراكز العصبية» مراكز الإدراك الجثماني «،فهي تسير

الحياة وتحرسها لإيجادها حسب الأحوال عناصر دفاع عن الحياة مختلفة، وهي كما

قال الدكتور) بونيه»: (تعلم أحسن من أي عالم من علماء وظائف الأعضاء، أو من أي

طبيب ماذا يلائم العضو الضعيف من دواء، وليس شأن العلم الراقي سوى تحريكها

عند فتورها. «

ومتى تتطور الخلية على شكل معين، أو متى يعتاض الحيوان عن العضو الأبتر

عضوًا آخر مستعينًا بأعصاب وعضلات وأوعية شريانية، فإننا نشاهد منطق الحياة يهيئ

لمثل ذلك الطارئ الفجائي من الحوادث ما يعجز المنطق العقلي عن تقليده، وإدراك أمره،

وأيضًا فإن منطق الحياة هو الذي يعلم الطائر كيف يطير، وكيف يقلب طيرانه حسب

الأحوال، فقد اقتض ىمر عصور عديدة على الإنسان حتى استطاع بمنطقه العقلي أن يقلد

الطائر قليلًا.

وما في أعمال الحياة من ضبط وإحكام، وما تفعله كل يوم من التئام بالأحوال ذات

التقلب المستمر، وما فيها من استعداد للدفاع عن الجسم ضد عوارض العالم الخارجي

الفجائية، يجعلنا نعد تعبير منطق الحياة» تعبيرًا ضروريًا. «

ومنطق الحياة هو الذي ينظم ديمومة الفرد والنوع الذي ينتسب إليه، فحياة

الفرد زائلة، وحياة النوع وإن كانت أطول إلا أنها ليست مؤبدة، إذ تدلنا بقايا الأنواع

الچيولوچية على أن هذه الأنواع لم تظل باقية حتى اليوم، بل سبقتها أنواع، وعقبتها

أخرى ذات دوام محدود.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت