لنبين أولًا ما هو المعتقد، وبماذا يختلف عن المعرفة؟ فالمعتقد هو إيمان ناشئ عن مصدر
لا شعوري يُكره الإنسان على تصديق فكر، أو رأي، أو تأويل، أو مذهب جزافًا، وسوف
نرى أن العقل غريب عن تكوين المعتقد، ولا يأخذ العقل في تبرير المعتقد إلا بعد أن يتم
تكوينه.
يجب أن نصف بالمعتقد كل ما هو من عمل الإيمان، ومتى استعان المرء في تحقيق
صحة المعتقد بالتأمل والتجربة لا يظل المعتقد معتقدًا بل يصبح معرفة، فالمعتقد
والمعرفة أمران نفسيان يختلفان من حيث المصدر اختلافًا تامًا؛ إذ المعتقد كناية عن
إلهام لا شعوري ناشئ عن علل بعيدة من إرادتنا، والمعرفة عبارة عن اقتباس شعوري
عقلي قائم على الاختبار والتأمل.
وما اكتشف الإنسان الغائص في بحر المعتقد أمر المعرفة إلا في زمن ضرب فيه
بسهم وافر من الرقي، وكلما تقدم في عالم المعرفة ظهر له أن الحوادث التي عزا الناس
ظهورها إلى موجودات علوية لم تحدث إلا بتأثير نواميس قاهرة.
وقد تغيرت صورة فهم الكون في الإنسان منذ اقترب من دائرة المعرفة، ولكنه
يصعب الخوض في هذه الدائرة الجديدة كثيرًا؛ لأن العلم يرى على الدوام شيئًا من
المجهول متخللًا في مكتشفاته، فأكثر الحقائق وضوحًا تُبطِن شيئًا من الأسرار.
لا يزال العلم مشبعًا من مثل تلك الدياجير المدلهمة، وكلما بلغ أفقًا بدت له آفاق
جديدة تائهة في فضاء لا حد له، فهذا العالم الواسع الذي لم يستطع أي فيلسوف أن
يضيئه هو ملكوت الأحلام التي تبذر في النفوس آمالًا لا يؤيدها الدليل والبرهان، وفي هذا
الملكوت تجد المعتقدات الدينية، والمعتقدات السياسية، وكل معتقد آخر قوة غير محدودة.
ومع أن الوصول إلى حقيقة علمية صغيرة يتطلب كدًا طويلًا، فإن حيازة يقين لا
ركن له سوى الإيمان لا يطلب شيئًا من السعي، فكل من الناس له معتقد، ولكن ما أقل
الذين يصعدون منهم إلى سماء المعرفة.
يشتمل عالم المعتقد على منطقه وسننه، ومنذ القديم حاول العلماء عبثًا أن يلجوا
فيه مستعينين بمناهجهم وأساليبهم، وسنرى في هذا الكتاب لماذا يضيع العلماء ما فيهم
من ملكة الانتقاد عندما يدخلون في دائرة المعرفة ذات الأوهام الخادعة.