الفكر نجوم كانت مجهولة، فقام شعب عظيم، ورفع راية العصيان زاعمًا أنه قطع
علائقه بالماضي، وقد منحه إيمانه المخرب القوي قدرة استطاع بها أن يهيمن على أوروبا
المدججة بالسلاح، وأن يدخل جميع عواصمها ظافرًا على رغم الفوضى التي ألقته الثورة
فيها.
فكيف يمكن اكتناه ما في المعتقدات من قوى عجيبة كالتي ذكرناها؟ ولماذا يخضع
الإنسان بغتةً لإيمان كان يجهله بالأمس؟ وما هي العلة التي بها يرفع الإيمان الإنسان إلى
مستوى أرفع من مستواه؟ وما هي العناصر النفسية التي تنبجس منها هذه الأضرار؟
سنسعى في الإجابة عن جميع ذلك.
لتكوين الآراء والمعتقدات وذيوعها وجوه خارقة للعادة تجعل المؤمنين يعزونهما
إلى مصدر إلهي، ومما يشيرون إليه هو أنهم يعتنقونها مع مخالفتها لأكثر منافعهم
وضوحًا، نعم ... قد يمكن إدراك السبب في انتشار الدين المسيحي بين من يعدهم بسعادة
أبدية من عبدان ومحرومين طيب العيش، ولكن ما هي القوى الخفية التي كانت تحمل
الشريف الروماني على التجرد من أمواله، وتعريضه نفسه للعذاب في سبيل دين جديد
ترفضه العادة، ويأباه العقل، وتحرمه القوانين؟
لا يجوز نسبة تسليم الناس بذلك الدين إلى سخفهم؛ فلقد سلم به أيضًا أرباب
العقول النيرة منذ القرون الأولى حتى يومنا هذا.
ولا يكون ما يقال في المعتقد من نظريات قيمًا إلا بإيضاح هذه المسائل كلها، ومما
يقتضي أن تتضمنه هذه النظريات على الخصوص هو بيانها كيف يعتقد صفوة العلماء
-الذين بلغت فيهم روح النقد منتهاها - أساطير صبيانية مضحكة، قد نتصور
أن (نيوطن) ، و (باسكال) ، و (ديكارت) ، وغيرهم ممن عاشوا في بيئة مشبعة من بعض
العقائد، رضوا غير مجادلين بهذه العقائد رضاءهم بنواميس الكون المقدرة، ولكن لماذا
لم تضمحل تلك المعتقدات اضمحلالًا تامًا في أيامنا التي سطعت فيها أنوار العلم على كل
بيئة؟ ثم لماذا تظهر أوهام غريبة مكان المعتقدات المنحلة، كما يؤيد ذلك انتشار طريقة
استخدام الأرواح بين أفاضل العلماء؟ يجب أن نجيب عن جميع هذه الأسئلة أيضًا.