يطلق المؤلفون على مظاهر الحياة العاطفة اسم الانفعالات، أو اسم المشاعر، وعندي أن
وصف تلك المظاهر يتطلب تقسيمها إلى ثلاثة أنواع: الانفعالات، والمشاعر، والحرص،
فأما الانفعالات فهي مشاعر مؤقتة غير ثابتة، وهي تنشأ عن إحدى الحادثات الفجائية
كالنازلة والمنعاة، والوعيد والشتيمة، ونعد الغضب والخوف والهول من فصيلة الانفعالات،
وأما المشاعر فهي حالة عاطفية مستمرة كالحلم والرفق والدماثة ... الخ، وأما الحرص
فصادر عن مشاعر شديدة قادرة على إبطال تأثير الأخرى كالحقد والحب ... الخ.
ويقابل هذه الأحوال النفسية تغير في وظائف الأعضاء مع أننا لا نعرف سوى بضع
نتائج دالة على وقوع تلك التغيرات كاحمرار الوجه، واضطراب الدورة الدموية ... الخ،
فما يقع في الخليات العصبية من تبدل طبيعي أو كيماوي، وما ينشأ عن هذا التبدل من
مشاعر، يثبتان لنا وجود صلة بين الطرفين، لا نعرف عنها شيئًا سوى طورها النهائي،
ومما يتعذر علينا في الوقت الحاضر هو أن نبين كيف ينقلب تطور خليات الأعضاء
تطورًا كيماويًا إلى مشاعر.
وقد تختلف المشاعر والانفعالات باختلاف ما يطرأ على الأعضاء من أحوال صادرة
عن بعض المهيجات كشرب القهوة والمسكرات ... الخ.
وأبسط المشاعر هو كثير التعقيد بالحقيقة، ولكن عندما نعجز عن تحليله نصفه
بالبسيط تقريبًا للذهن، فنحن في ذلك كالكيماوي الذي يعتبر بعض الأجسام بسيطة
حين لا يقدر على تحليلها.
ويبحث علماء النفس أحيانًا عن المشاعر الذهنية، فقد قال) ريبو»: (إن هذا التعبير
يدل على أحوال عاطفية طيبة، أو ذات لغوب هي من عمل الذكاء «، إنني لا أرضى بهذه
النظرية التي لا تفرق يبن العلة ومعلولها، فأحد المشاعر وإن جاز أن يحدث بتأثير
طعام شهي إلا أنه يبقى من نوع المشاعر على الدوام.
ومتى زادت المشاعر قوة واستعصت تصبح حرصًا كما بينا ذلك آنفًا، ولم يستطع
علماء النفس أن يُعرّفوا المشاعر ويصنفوها، فقد قسمها (سبينوزا) إلى الرغبة والفرح
والحزن، واستخرج من هذه الأقسام بقية المشاعر، وأما (ديكارت) فقد قال بوجود ستة
أنواع أصلية هي العجب، والحب، والحقد، والرغبة، والفرح، والحزن، فهذه التقسيمات
إن هي إلا أوضاع لغوية لا توضح شيئًا، ولا تقف أمام سلطان النقد.
قد يتكون الحرص كالصاعقة فجأة، وقد يتكون على مهل، وعندما يتم نشوؤه
يستولي على الذهن، أو العاطفة دون أن يكون للعقل الذي يخضع لحكمه تأثير فيه،
والحرص الكبير يندر وقوعه، فلما كان الحرص الذي يقع في الغالب مؤقتًا فإنه لا يلبث
أن يزول بعد أن ينال صاحبه مبتغاه، وهذه قاعدة ثابتة في مسائل الحب، فأبطال
الحب الشديد هم على الأكثر أناس تحول الأحوال دون التقائهم كثيرًا، والحرص الذي
يستمر زمنًا طويلًا هو الذي يضطرم على الدوام كالأحقاد السياسية مثلًا، ويغيب
الحرص في أغلب الأوقات منطفئًا، وفي أقلها متبدلًا، وحينئذ تتحول الآراء التي كانت سبب
ظهوره، قال ريبو»:قد ينقلب حب الإنسان من حب بشري إلى حب إلهي، وقد يتحول
التعصب الديني إلى تعصب سياسي أو اجتماعي، والعكس بالعكس، مثال ذلك:(إيغناس
«دولوايولا)الذي عدل عن خدمة أحد الملوك إلى خدمة المسيح مؤسسًا طريقة اليسوعيين
والعقل لا يؤثر في الحرص إلا بعد أن يطرأ على الحرص ضعف، وأما تأثيره فيكون
بتسليطه أحد المشاعر على الآخر، وما يقع وقتئذ من عراك فبين المشاعر لا بين المشاعر
والعقل.