إذ ليس من الصواب أن نؤنب المرء إذا تغير؛ ذلك لأن هذا التأنيب ينم على المبدأ
الباطل القائل: إن العقل يستطيع أن يهيمن على المشاعر، فمتى ينقلب الحب إلى ضده
فإن العقل يلاحظ هذا الانقلاب فقط دون أن يكون علته، ولا علاقة للأسباب التي
يتخيلها العقل عندما يفسرمثل ذلك الانقلاب بالأسباب الأصلية التي نجهلها، وفي الغالب
لا نعرف مشاعرنا الحقيقية أكثر من أن نعرف العوامل الموجبة لها. قال (ريبو) : «كثيرًا
ما يتصور المرء أنه يشعر بحبه لآخر حبًا جمًا، فالغياب أو ضرورة انقطاع أخرى قد
يثبت لنا أن هذا الحب سريع العطب، كما أنه قد يثبت لنا صدق حب لا يكون باديًا
بتأثير العادة.»
وعلى ما تقدم يتعذر إدراك سير الذات العاطفة عن طريق الذات العاقلة كما لاحظ
المؤلف المشار إليه أيضًا، ومع ما بين الحياة العاطفة والحياة العاقلة من تباين واختلاف،
فإننا لا نبالي في سلوكنا بالفرق بين المشاعر والذكاء، يؤيد هذا القول طرق تربيتنا
اللاتينية، فمن أباطيل جامعاتنا الخطرة هو اعتقادها أن إنماء الذكاء بالتعليم يؤدي
إلى نمو المشاعر التي هي أساس الخلق، وهي في ذلك على خلاف التربية الإنكليزية التي
أدركت منذ زمن طويل أن تهذيب الخلق لا يتم بمزاولة الكتب.
وبما أن الذات العاطفة تختلف عن الذات العاقلة فإننا لا ندهش إذا سمعنا أن
رجلًا ذا ذكاء عال قد يكون نذلًا في أخلاقه. 1 لا ريب في أن الذكاء والتعليم - بإثباتهما
أن عدم الاستقامة يضرالإنسان أكثر مما يفيده - يجعلاننا لا نصادف سوى قليل من
المتعلمين يتخذون اللصوصية مهنة، ولكن إذا وجدت في المتعلم روح لص فإنه يتمسك
بها على رغم ما ناله من الشهادات العلمية، وبها يستعين في أعماله غير الشريفة.
والفرق بين الذات العاطفة والذات العاقلة الذي يشاهد في أكثر الأفراد يشاهد أيضًا
في بعض الشعوب، فقد أشارت مدام (دوستائيل) إلى أنه لا ارتباط بين المشاعر والذكاء
في الألمان، ويشاهد هذا الفرق في الجماعات المؤقتة على وجه أكثر وضوحًا؛ لأن العناصر
التي تملي على الجموع أمر حركتها هي المشاعر لا الذكاء، وقد بينت علل ذلك في كتاب
آخر، فلنتذكر أن الذكاء الذي يختلف باختلاف الأشخاص، ولا ينتقل كالمشاعر بالعدوى
النفسية لا يكون ذا شكل جموعي أصلًا، وأما الأشخاص الذين ينتسبون إلى عرق واحد
فهم ذوو مشاعر متجانسة لا تلبث أن تتحد عندما يصبحون جماعة.
والعنصر الأساسي في الإنسان هو الذات العاطفة، فلما تم نضج هذه الذات ببطء
على مر الأجيال فإنها تتطور في الأفراد والشعوب بسرعة أقل من السرعة التي يتطور
بها الذكاء، نعم يظهر أول وهلة أن التاريخ يناقضهذا الفكر؛ لأن التاريخ يدلنا على أن
مشاعر جديدة تتولد مختلفة عن التي جاءت قبلها اختلافًا عظيمًا، فالأمة التي ظهرت
في وقت بمظهر المحب للحرب لا تلبث أن تصبح مسالمة، وكثيرًا ما تجيء الحاجة إلى
1 نذكر من بين الأمثلة الكثيرة التي حكى عنها التاريخ مثال الوزير (بيكن) البارز: لم يكن في زمن هذا
الوزير من يدانيه ذكاءً، ولكن لم يكن أيضًا من أبدى مثله دناءة، فقد كانت باكورة أعماله في الحياة
أن خان (الكونت ديسكس) الذي أحسن إليه أكثر من كل إنسان فأوجب قطع رأسه؛ طمعًا في نيل
منصب عند الملكة (اليصابات) ، وبعد أن جلس الملك (جاك الأول) على العرش نال منصب نائب عام، ثم
منصب وزير بناء على رجاء الدوك (دويكنغام) الذي خانه أيضًا، وفي أيام وزارته بلغت جرأته علىسرقة
بيت المال والناس مبلغًا جعل القضاء يتتبعه، وقد حاول عبثًا أن يستعطف قلب القضاة باعترافه كتابةً
بذنوبه، إذ حكموا عليه بالسجن مؤبدًا.
المساواة بعد الحاجة إلى التفاوت، وطورًا تحل الزندقة مكان الإيمان، إلا أن تحليل هذه
الأمور يثبت لنا أن تطور تلك المشاعر ليس إلا ظاهريًا، فالحقيقة هي أن المشاعر لا تبدل
سوى توازنها، وعلة هذا التبدل هو كون الإنسان في المجتمع يضطر إلى تكيييف مشاعره
حسب مقتضيات الوقت التي يلجئ إليها تعاقب الأحوال، فتستولي حينئذ بعض المشاعر
التي كانت مزجورة على البعض الآخر.
وقد يبدو لنا أحيانًا أن المشاعر تغيرت مع أن هذا التغير لم يكن إلا موضعيًا، فالأمل
الجاذب الذي يقود العامل في الوقت الحاضر إلى الحانات، حيث يعده رسل الإنجيل
الجدية بجنة مقبلة، هو عين المشاعر التي كانت تسوق آباءنا إلى الكنائس؛ حيث كان
يتراءى لهم من بخار لُبانها تفتح أبواب السعادة الأبدية.