فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 160

الباب الخامس

آراء الأفراد ومعتقداتهم

الفصل الأول

العلل الباطنية للآراء والمعتقدات

جاء في جريدة «الكومانتتر» - الإنكليزية - بمناسبة كتابي المسمى «روح السياسية»

ما يأتي: «لربما يظهر يومًا ما كتاب غريب في فن الإقناع، فلو فرضنا أن علم النفس

يصل في المستقبل إلى درجة راقية كعلم الهندسة والميكانيك لأمكننا أن نُنبئ بتأثير الدليل

والبرهان في روح الإنسان كما ننبئ بخسوف القمر، وسيكون لعلم النفس الذي يبلغ تلك

الدرجة قواعد نحول بها الرجل إلى أي رأي؛ فتصبح روحه حينئذ كالآلة الكاتبة، حيث

يكفي ضغط زر منها ليظهر الحرف المطلوب حالًا.»

قد نسلم نظريًا بإحداث ذلك العلم - الذي عرف أقطاب السياسة وزعماء الشعوب

منه بضع نبذ - في المستقبل، ولكن إيجاده كاملًا يتطلب ذكاء في البشر أسمى من ذكائه

الحاضر كثيرًا، وسبب ذلك جلي واضح: إن من أشد مسائل علما الفلك صعوبة المسألة

التي لم يحل منها العلماء حتى الآن سوى جزء على رغم ما بذلوه من الجهود العظيمة،

والتي هي عبارة عن تعيين المواضع لثلاثة أجسام مختلفة جرمًا وسرعةً مؤثر بعض ها

في البعض الآخر في آن واحد، والعناصر النفسية التي يقتضي تعيينها هي أكثر عددًا،

ويختلف تأثيرها باختلاف قوة الحس والشعور في الأشخاص.

على أن التنبؤ في سير الناس ليس مستحيلًا على الدوام، وبيان ذلك أنه يوجد في

تركيب المشاعر المعقد - الذي يتألف الخلق منه - عناصر راجحة تعين وجهة الأخرى،

كعناصر البخل، والأثرة، وحب الذات، والعجب ... الخ، فالذي تقلبت عليه هذه المشاعر

تسهل قيادته؛ إذ يعلم حينئذ ما هو وتره العاطفي الذي يُضرب عليه، وأما الرجل

الذي توازنت فيه المشاعر دون أن يستحوذ بعض ها على البعض الآخر فيصعب اكتناهه

وتسييره.

ولا شأن للعوامل كلها في تكوين الرأي، فالذي يؤثر منها في رجل لا يؤثر في الآخر،

والذي يوقد نار الحرص في شعب لا يحرك ساكن شعب مجاور.

والحقيقة هي أن تكوين أكثر الآراء والمعتقدات لا يستلزم سوى قليل من العوامل،

فعوامل العرق والبيئة والعدوى تكفي لإنشاء المعتقدات العظيمة، وعاملا الانفعال،

والمنفعة الشخصية يكفيان لتكوين الآراء اليومية، ومع ذلك فإنك ترانا مكرهين على

البحث في عوامل أخرى؛ ذلك لأن هذه العوامل إذا لم تكن ذات تأثير على الدوام، فإنه

ليس فيها ما هو غير مؤثر في أحد الأوقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت