فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 160

نقدر في الغالب على التصرف في عيارات الميزان النفسي بأن نزيدها أو نقللها، فلا ريب في

أن الأبطال ذوي الجرأة والإقدام الذين قطعوا جبال الألب، وعبروا بحر المانش طائرين

أول مرة في الهواء حذفوا من كفتي الميزان بعض العلل العقلية التي قد تثبط عزائمهم

في أمور خطرة كهذه لم يجرؤ أحد قبلهم على اقتحامها، ومع ذلك فإن الإرادة لا تكلف

نفسها على الدوام أمر وضع العيارات في ميزان العلل؛ إذ إن عناصر الحياة العاطفية،

أو الدينية تقوم بهذا الأمر من تلقاء نفسها، وذلك مثل ما يقع في أثناء بعض الحوادث

الفجائية كقذف الرجل نفسه إلى الماء أيام الشتاء كي ينقذ شخصًا مجهولًا، فلو كان

للتأمل عمل في الأمر لوازن بينه وبين عناصر العاطفة، وغيَّر ميل عقرب الميزان، ومن

هنا يتضح لنا السبب في كون حوادث البطولة العظيمة الغريزية كثيرة من أن حوادث

البطولة الصغيرة اليومية المستمرة قليلة العدد، كأن يحرم الإنسان نفسه ملاذ الحياة في

سبيل قريبه المريض العاجز.

وعلى ما تقدم فإن الإرادة الشاعرة قد تؤثر في ميزان العلل، ولكن إذا كانت هذه

الإرادة غير شعورية - كما في أمر المعتقد - فإن عملها يكون لا غيًا، حينئذ يجري

المنطق الديني حكمه مستقلًا عنا، وعند الحاجة على رغم أنفنا أو ضدنا.

وأما إزاء المنطق العاطفي وحده فقوتنا أكثر مقاومة مما هي إزاء المنطق الديني؛ لأن

المشاعر إذا لم تكن غاية في الشدة فإن العقل يقدر على التصرف في بعض العيارات، أي

العلل، ولا نأسف كثيرًا على ضعفنا أمام اندفاعات المنطق العاطفي؛ لأن هذه الاندفاعات

وإن كانت في الغالب ذات نتائج مضرة إلا أنها قد تأتي أحيانًا بأعمال مفيدة للبشر.

ومتى يعلم الإنسان أن يوفق بين اندفاعاته العاطفية والدينية، وبين مبتكرات العقل

فإن نطاق الممكنات يتسع في نظره.

وفي توازن العلل - حيث تتكون الآراء والمعتقدات - كثير من العلل، والعوامل

التي لا تأثير لنا فيها، ولو استمر عدم تأثيرنا لقلنا كما قال كثير من المذاهب الفلسفية:

إن القدر هو الذي يسيرنا، والقدر بالحقيقة قد استولى على تاريخ البشر زمنًا طويلًا؛

لأن الناس لما ظلوا عاجزين دورًا مديدًا عن قيادة أنفسهم خضعوا لسنن ما اختلف من

أنواع المنطق التي لا صلة بينها وبين العقل خضوعًا مقدرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت