فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 160

تؤثر المشاعر التي تقود الإنسان في أفكاره كثيرًا مع أن هذه لا تؤثر في تلك إلا قليلًا،

وليس الفكر سوى نتيجة أحد المشاعر التي تطورت تطورًا غير شعوري مجهول لدينا.

وعلة كون العقل لا يؤثر في المشاعر هي أن حياة المشاعر خافية علينا، وإذا أردنا

أن نعرف درجة تطور مشاعرنا على وجه لا تأثير لإرادتنا فيه فلننعم النظر في أنفسنا،

حينئذ نرى أنها تنبت نباتًا ريِّثًا متباطئًا، كالنبات الذي أجاد في وصفه الشاعر الفيلسوف

(سوللي برودوم) في قصيدته المشهورة التي عنوانها» الإناء الكسير: «فالكلمة أو الإشارة،

الواحدة التي لا أهمية لها عند صدورها تستطيع على مر الأيام أن تحول الصداقة إلى

ضدها.

وشأن العقل في المشاعر التي يتكون الخلق منها هو أن يفصلها بعض ها عن بعض،

وأن يحركها بإحدى الصور النفسية، وأن يجعلها على هذا الوجه قادرة على كبح شيء

من اندفاعاتنا، وهو بذلك يرفع الرجل ولو مؤقتًا إلى درجة أعلى من درجته.

إذن يقدر العقل بتأليفه بين المشاعر والمعقولات أن ينتفع بالمشاعر انتفاع البناء

بالحجارة التي يعرف أن يقيم بها نفسها مباني شتى، وليس تأثير العقل في المشاعر

لا حد له، بل يظهر أنه محصور؛ لأن الاختبار يدلنا على أن العقل يفقد سلطانه عندما

تكون المشاعر شديدة، وقد تصل بعض المشاعر في قوتها إلى حد لا يستطيع العقل،

وأكثر منافع المرء وضوحًا أن يؤثر معه فيها، وسنورد أمثلة كثيرة على هذا الأمر في فصل

المعتقدات.

لا تتحول المشاعر مباشرةً على أفكار، ولكنها تولد أفكارًا لا تلبث أن تستدعي

مشاعر، فكلا الطرفين مع محافظتهما على استقلالهما يؤثر أحدهما في الآخر تأثيرًا

متواليًا، وعلى ذلك فإن الأفكار ذات تأثير لا يسعنا إنكاره في حياتنا الفردية والاجتماعية،

وهذا التأثير لا يتم أمره إلا إذا استندت الأفكار إلى دعائم عاطفية.

ولما كانت المشاعر مصدرًا للأفكار فإن ما يقع بين الأفكار من عراك هو بالحقيقة

يقع بين المشاعر، والشعوب التي يظهر أنها تتقاتل من أجل بعض الأفكار هي تتقاتل

في الواقع من أجل بعض المشاعر التي تشتق منها تلك الأفكار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت