فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 160

وتفقد أحوال الإنسان العاطفية قوتها لا ذاتها إذا لم تسمح له الفرص بإظهارها،

كما تفقد الأعضاء قوتها لعدم تمرينها، على هذه الصورة توارت في إنكلترا وفرنسا

صفات الإشراف الخلقية التي كانت ضرورية للقيام ببعض الوظائف عندما ألغيت هذه

الوظائف، وإذا لم تنم تلك الطبقات التي خسرت صفاتها الخلقية ذكاءها أصبحت دون

ما كانت سائدة له من طبقات أخرى، ويظهر أن هذا الناموس الذي يجهله مربُّونا كثيرًا،

والقائل: إن المشاعر التي لم تتمرن تنفصم لناموس عام، فتاريخ الأمم حافل بالأمثلة

المؤيدة له، ومن تلك الأمثلة كون غرائزنا الحربية التي نمت كثيرًا أيام الثورة الفرنسوية،

وفي الدور الإمبراطوري لم تلبث بعد هذين الدورين أن أخذت تتقلص مفسحة مجالًا

لمذهب سلمي داع إلى نزع السلام، منتشر كل يوم بين الجموع حتى بين العقلاء، وقد

نشأ عن ذلك التضاد الآتي وهو: «كلما صارت الشعوب سلمية أمعنت حكوماتها في

التسليح.»

وسبب هذا الشذوذ الظاهري هو أن الأفراد يخضعون لحكم أثرتهم الشخصية، مع

أن الحكومات مرغمة على الاهتمام بمصالح المجتمع، فالحكومات بما نالته من تجارب

واختبارات متتابعة تعلم أكثر من الجموع، وخطبائها أن الأمم التي تهن لا تلبث الأمم

المجاورة لها 1 أن تغزوها، وتستولي عليها، وهذه سُنَّة قد أجرت حكمها على جميع الأمم

حديثة كانت أم قديمة، فالبولونيون، والمصريون، والترك، والصرب ... إلخ لم يتجنبوا ما

ينتج عن غزوات الشعوب الأخرى من تخريب إلا بتنازلهم عن جميع أراضيهم، أو عن

جزء منها.

يحدث تطور المشاعر الذي أشرنا إلى بعض نتائجه بفعل كثير من المؤثرات، ونعدّ من

هذه المؤثرات البيئة على الخصوص، فالإنسان كي يلائم البيئة مكره على تنويم قسم من

مشاعره، والانتفاع بقسم آخر يجعله التمرين قويًا متينًا، والتمرين المذكور لا يكون إلا

بالتربية التي تهتم بإنماء صفات الخلق الأساسية، ولا سيما ملكة الاستنباط، والشجاعة،

والإرادة، وغيرها من الصفات التي تعارضها مشاعر أخرى، فالخوف من التبعة يلاشي

ملكة الإقدام، ويزول الإخلاص لمنافع المجتمع في الحال إذا قُيّدَ بالأثرة الشخصية ... الخ.

1 لقد أوضح رئيس الوزارة الألمانية هذه الحقيقة في خطبة ألقاها في شهر مارس سنة 1911 أمام (الرخستاغ) ، وإليك بعضها: إن مسألة نزع السلاح هي عند كل خبير مجرب مشكلة يتعذر حلها مادام الإنسان إنسانًا والدول دولًا، فمهما يفعل الضعاف فإنهم سيكونون فريسة الأقوياء لا محالة، والشعب الذي لا يريد أن ينفق على تسليح نفسه ينزل إلى الدرجة الثانية كي يحل مكانه شعب أقوى منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت