تبين من الملاحظات السابقة أن الذات قد تتحول، وتشتق هذه الذات كما رأينا من عاملين
لازمين هما الموجود نفسه، ثم بيئته، والقول بأن ذات الإنسان متحول لا يلائم الأفكار
التقليدية التي تزعم ثبات الذات ووحدتها.
حقًا إن ذات الإنسان تتألف من خليات لا يحصى عديدها، فكل خلية تشترك في
تكوين وحدة الذات اشتراك الجندي في تكوين وحدة الجيش، والتجانس الواقع بين
الألوف من الرجال الذي يتألف الجيش منهم ناشئ عن اتحاد حركتهم الذي قد تقضي
عليه علل كثيرة.
ولا طائل تحت الادعاء بأن الذات تظهر ثابتة على وجه العموم، فالذات إذا لم
تتغير فذلك لعدم تحول البيئة الاجتماعية، ولو تحولت البيئة فجأة - كما يقع أيام
الفتن - لتبدل الأشخاص أنفسهم تمامًا، فقد شوهد في دور الهول الأكبر رجال من
أبناء الطبقات الوسطى اشتهروا في الماضي بدماثة أخلاقهم، ولين طبائعهم قد أصبحوا
سفاكين متعصبين، وعندما هدأت الزوبعة، وعادت البيئة السابقة رجعت إلى أولئك
الرجال شخصيتهم السلمية، ولقد فصلت هذه النظرية منذ زمن بعيد، فأثبت أن حياة
رجال الثورة الفرنسوية تظل سرًا غامضًا بدونها.
وما هي عناصر الذات التي تتركب شخصية الإنسان من مجموعها؟ لا يزال علم
النفس غير مجيب عن هذا السؤال؛ وأما نحن فنقول: إن عناصر الذات تنشأ عن
شخصيات موروثة تكونت بتعاقب القرون، فالذات - هي كما ذكرت - مؤلفة من
ملايين من محاي خلوية، ومن هذه المَحَايي تتكون أطوال كثيرة.
فبعض المهيجات الشديدة، أو بعض الأمراضكالتي تشاهد في الوسطاء والُمنَوَّمين
إلخ تحول تلك الأطوار، وتولد ولو مؤقتًا في الرجل نفسه شخصية أخرى أرفع أو
أدنى من شخصيته المعتادة، فنحن نشتمل على ممكنات خلفية هي أعظم مما نطيقه
عادةً، وتحركها فينا بعض الحوادث والأحوال.