جميع من هم على الفطرة من همج وحيوان يميلون إلى السير بغرائزهم، ولكن متى
عاش الهمج في قبيلة، وأصبح الحيوان داجنًا فإن الضرورة تلجئهم إلى زجر بعض تلك
الغرائز، ولا يكون هذا الزجر إلا بجعل بعض مشاعرهم القوية - كالخوف من العقاب،
والطمع في الأجر - تقاتل مشاعرهم الأخرى المندفعة، والقدرة على قهر الاندفاعات
العاطفية هي عنصر أساسي للحضارة، فلولا هذا العنصر الذي هو ركن الأخلاق الركين
لكانت الحياة الاجتماعية مستحيلة.
وليست العوامل الزاجرة التي تثبت العادات، وعلم الأخلاق، والقوانين أمرها كناية
عن عراك بين المشاعر والعقل، بل هي كما بينت آنفًا عبارة عن صراع بين ما يتقابل من
المشاعر بفعل العقل، ولم يكن للقوانين المدنية أو الدينية غاية سوى التأثير في مظاهر
بعض المشاعر تأثيرًا رادعًا.
وكل حضارة تتضمن ضغطًا وقسرًا، فالفطري عندما تعلم بتأثير ناموس العقود
الاجتماعية الأولى كيف يرد جماح اندفاعاته قليلًا تحرر من طور الحيوانية، ودخل في
طور إنساني متأخر، ولما أكره على ردع نفسه أكثر من ذي قبل دخل في طور الحضارة
التي لا تقوم إلا بكبح الإنسان نفسه.
ويتطلب الضغط المذكور سعيًا مستمرًا، ويتعذر استمرار هذا السعي إذا لم يسهل
أمره كأن يصير لا شعوريًا بفعل العادة التي ثَبََّّتتها التربية، ومتى أصبح الوازع النفسي
على شيء من التقدم فإنه يحل مكان الوازع الخارجي، ولكن إذا لم يستطع الرجل
أن يجعل لشخصه وازعًا نفسيًا فعليه أن يذعن للوازع الثاني، فلو تجرد الإنسان من
هذين الوازعين لرجع إلى طور الهمجية الأولى، نعم إن المشاعر هي التي تقودنا غير أن
المجتمعات لا تعيش إذا لم يتعلم أفرادها الحدود التي يجب على مشاعرهم أن تقف
عندها، والتي يؤدي تجاوزها إلى الفوضى والانقراض.
ولا تقل إن المشاعر التي ردعتها مقتضيات الاجتماع المدونة في القوانين عفا أثرها،
ودرس رسمها، فمتى تنفلت هذه المشاعر ذات الاندفاع من ربقة الزواجر تظهر من عالم
الخفاء، وهو سر المظالم التي تقترف أيام الثورات حيث يصبح المتمدن متوحشًا.