فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 160

الباب الأول

المعتقد والمعرفة

الفصل الأول

دائرة المعتقد، ودائرة المعرفة

يخلطون المعتقد أحيانًا بالمعرفة على ما بينهما من اختلاف كبير؛ فالعلم والاعتقاد أمران

مختلفان في تكوينهما ومصدرهما، وبالرأي والمعتقد يتم سيرنا، وعنهما تنشأ أكثر حوادث

التاريخ، ولا فرق بينهما وبين الحادثات الأخرى من حيث كونهما تابعين لنواميس، وإن

كانت هذه النواميس لم تعين حتى الآن.

لقد ظُن على الدوام أن دائرة المعتقد حافلة بالأسرار، وهذا هو سبب قلة الكتب التي

تضمنت البحث عن مصادر المعتقد، مع أن ما تضمن البحث عن المعرفة كثير إلى الغاية،

وما أتى به من المساعي القليلة في اكتناه المعتقد يكفي لبيان قلة الاطلاع على حقيقة

أمره في الماضي، فلما رضي المؤلفون برأي (ديكارت) في المعتقد قالوا إنه صادر عن العقل

والإرادة، وسيكون من مقاصد هذا الكتاب إثبات كون المعتقد غير عقلي وغير إرادي.

وما غابت صعوبة اكتناه المعتقد عن الفيلسوف العظيم) باسكال (؛ فقد أشار في

» فصل بحث فيه عن فن الإقناع إلى أن الناس يعتقدون بتأثير العاطفة لا بتأثير الدليل

والبرهان «ثم قال» : إن بيان كيفية هذا الاعتقاد - أي الاعتقاد بتأثير العاطفة - هو،

«من الصعوبة والدقة والغرابة بحيث يستحيل على من هو مثلي

ولكننا - بفضل مكتشفات العلم في الوقت الحاضر- نرى إمكان حل تلك المعضلة

التي عجز (باسكال) عن بيانها، وبحلها نقدر على الإجابة عن كثير من الأسئلة المهمة

التي منها: كيف تستقر الآراء والمعتقدات الدينية والسياسية؟ ولماذا نشاهد في كثير من

المتصفين بسمو المدارك اعتقاد الخرافات والأباطيل؟ وما هي علة عجز العقل عن تغيير

عقائدنا العاطفية؟ فلولا نظرية المعتقد لظل أمر الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها من

المسائل غامضًا متعذرًا حله، وليس العقل بمستطيع أن يفعل ذلك وحده.

وإذا أساء المؤرخون وعلماء النفس فَهْمَ حقيقة المعتقد؛ فذلك لأنهم حاولوا أن

يشرحوا بالمنطق العقلي حوادث لم يملها العقل أبدًا، وسوف نرى أن عناصر المعتقد

جميعها خاضعة لقواعد منطقية وثيقة لا صلة بينها وبين القواعد التي استعان بها

العلماء في مباحثهم.

شغلت هذه المسألة بالي منذ مباحثي التاريخية الأولى، فكان يظهر لي أن المعتقد

هو الفاعل الأصلي في التاريخ، ولكن كيف تقدر على إيضاح حوادث خارقة للعادة -

كتأسيس المعتقدات - أوجبت قيام حضارات، وسقوط حضارات أخرى؟

لقد اعتنقت قبائل البدو في جزيرة العرب دينًا أتى به أمِّيّ، فأقامت بفضل هذا

الدين - في أقل من خمسين سنة - دولة عظيمة كدولة الإسكندر زينت جيدها بقلادة

من المباني الفخمة التي هي آية في الإعجاز، وقبل ذلك ببضعة قرون آمنت شعوب

متوحشة بعقيدة دعا إليها رسل أتوا من زاوية مجهولة في بلاد الجليل، فقوضت بتأثير

هذه العقيدة دعائم العالم القديم، مقيمة على أنقاضها حضارة جديدة ينطق كل عنصر

منها بذكر الرب.

وبعد أن مضى ما يقرب من عشرين قرنًا تزعزع ذلك الإيمان، وظهرت في سماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت