فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 160

تبدو أوصاف المنطق العقلي والمنطق العاطفي بالمقايسة بينهما، فالمنطق العقلي يدير

دائرة الشعور، وأما المنطق العاطفي فإنه مستول على دائرة اللاشعور، وبما أن سلسلة

المنطق العاطفي لا شعورية، فإننا لا ندرك تطور مشاعرنا إلا قليلًا، فنحن نقود حياتنا

العقلية، ولكن لا سلطان لنا على حياتنا العاطفية.

والمنطق العاطفي والمنطق العقلي كلاهما من الاختلاف بحيث يتعذر إيجاد مقياس

مشترك بينهما، ولذلك يستحيل أن نعبر عن المشاعر بكلمات مصدرها العقل، وليس

المنطق العقلي بمستطيع أن يفهم أو يفسر أو يزن ما يمليه منطق المشاعر من أعمال،

وأما الكلمات التي نحاول أن نشرح المشاعر بها فإنها توضح هذه المشاعر إيضاحًا

رديئًا، وإذا تمكنت من ذلك قليلًا فحسب ناموس الاشتراك النفسي، فمن تعود ربط

المشاعر ببعض الألفاظ نتذكر عند خروج تلك الألفاظ بعض هواجس نفسية عاطفية،

والموسيقى التي هي لسان المشاعر الصادق تذكرنا بالمشاعر أحسن مما تذكرنا بها

الألفاظ والكلمات، ولكن نظرًا لخلوها من الضبط فإنها لا تكون واسطة ارتباط بين

مشاعر الناس إلا على وجه مبهم.

ويجهل المنطق العاطفي العقلي، ولذلك يبتّ في الأمور قبل أن يتم الثاني تفكيره،

فهو لا يبالي كالمنطق العقلي بالمعقولات، والمتناقضات، والأصول، والمبادئ.

ويستند المنطق العقلي إلى مبادئ مادية مستنبطة من التجربة والاختبار، فالحوادث

الصريحة المجردة التي يسهل قياسها هي قوام تلك المبادئ، وأما المنطق العاطفي فلا

دعامة له سوى مبادئ معنوية أدبية يتعذر قياسها وتقديرها على وجه الضبط والصحة،

وهذا هو السر في كون هواجس النفس الشعورية الصادرة عن المنطق العاطفي تظل

مبهمة غيرصريحة على الدوام.

وتشترك الأفكار في المنطق العقلي حسب قواعد عامة معلومة، وأما المشاعر في المنطق

العاطفي فإنها تجتمع في الغالب على شكل غير إرادي، وبمقتضى نظام دقيق - أظنه

الغريزة - لم نعلم منه سوى شيء يسير، وفضلًا عن ذلك نقول: إن بعض المشاعر تولد

مشاعر أخرى لا تلبث أن تمتزج بها، فالألم يوجب الغم، والحب يورث السرور، والغضب

يولد الميل إلى الانتقام ... الخ.

ولكن قواعد المنطق العقلي مادية فإنها تطبق على صورة واحدة من قبل جميع

الرجال الذين بلغوا شأوًا من الرقي، وهذا هو سبب اتفاق هؤلاء الرجال على جميع

المواضيع العلمية، وأما المنطق العاطفي فإنه بالعكس يختلف باختلاف الناس؛ إذ الناس

متباينون في مشاعرهم، ولذلك تعذر الاتفاق على جميع المسائل التي تمس المشاعر

كالمعتقدات الدينية، والأخلاقية، والسياسية ... الخ.

ولما كانت قواعد المنطق العاطفي غير عامة كقواعد المنطق العقلي، فإن الرسالة

التي تؤلف في منطق أحد الناس العاطفي لا تطبق على الباقين، وأما رسالة المنطق العقلي

فإنها ثابتة تشمل الناس قاطبة.

تبين من الملاحظات السابقة أن الأمور الواحدة تختلف بحكم الضرورة عند النظر

إليها من خلال المنطق العقلي، أو المنطق العاطفي، فمن الخطأ أن نحكم بالعقل حوادث

أملاها منطق المشاعر.

وعلى رغم قلة اطلاعنا على سنن المنطق العاطفية فإن الاستقراء يدلنا على بضع

قواعد يستعملها أعاظم الخطباء في أغلب الأوقات، فبدلًا من أن يقضي أولئك الخطباء

أوقاتهم في تنظيم الأدلة، وتنميق البراهين التي هي إن أقنعت لا تؤثر في السامعين فإنهم

يحركون بالتدريج ساكن هؤلاء السامعين بضروب المؤثرات التي يتفننون في تنويعها؛

لعلمهم أن ما يوجبه أحد المحرضات من تأثير لا يلبث أن يهن وينفد، وهم باستدراج

لبق، وكلمات ساحرة، وصوت عذب يكوِّنون جوًا عاطفيًا ملائمًا لقبول استنتاجاتهم.

والمشاعر لأنها العامل الحقيقي في أفعالنا فمن الطبيعي أن يقودنا منطقها؛ إذ

الناس متى هاجت عواطفهم يغيرون سيرهم، ومتى كُسِبت قلوبهم يُغلَبون على أمرهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت