فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 160

حاول الفلاسفة أن يزعزعوا ما في الإنسان من يقين، وأن يثبتوا أنه لا يعلم من العالم

غير الظواهر، غير أن هنالك حقيقتين ليس باستطاعة أحد أن ينقضهما؛ وهما اللذة

والألم، فمنهما تشتق حركة البشر ونشاطه، وإليهما يستند ما تعد به الشرائع الدينية

والدنيوية، وتتوعد به من ثواب وعقاب، وجنة وجحيم.

ويظهر الألم واللذة في الإنسان منذ ما تدب الحياة فيه، فبقوة الحس لا بالفكر

يشعر الإنسان بوجوده، ولو قال) ديكارت: (» أشعر ولذلك فإني موجود بدلًا «

من قوله»: أفكر ولذلك فإني موجود «

لكان قوله أقرب إلى الحقيقة؛ لأن دستوره إذا تبدل على هذا الوجه يُطبق على

جميع الناس لا على فريق وحده.

ومن هاتين الحقيقتين يمكن استنباط فلسفة حياتية عملية، وبهما يجاب جوابًا

صائبًا عن السؤال الذي جاء مكررًا في سفر سليمان، وهو: لماذا يشتغل الإنسان ويسعى

كثيرًا مع أن الموت ينتظره، والأرض ستخمد يومًا ما؟

الإنسان يسعى لأنه يجهل المستقبل، ولأن الطبيعة في الحال ترغمه على البحث عن

اللذة والفرار من الألم، فالفاعل الذي يضنيه العمل، والراهبة التي لا تجزع من القروح،

والمبشر الذي ينكل به الهمج، والعالم الذي يكدح في حل مسألة، والمكروب الصغير الذي

يميد متحركًا في قطرة ماء، لا يكابدون ما يكابدونه إلا بتأثير عاملين: جذب اللذة، وخوف

الألم.

لا حركة بغير هذين الباعثين، ولا نتصور وجود بواعث أخرى غيرهما على رغم

اختلاف الألفاظ، فحب الجمال والحرب والتدين والشهوات إن هي إلا أمور صادرة عن

مصدر عضوي واحد، ولا تلبث حركة البشرأن تزول بزوال ذَيْنِكَ العاملين اللذين لا ريب

فيهما: اللذة، والألم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت