الفصل السادس
انحلال الخلق وتقلبات الذات
بينَّا أن عناصر الخلق راسخة رسوخ العناصر التشريحية، والآن نقول: إنه قد يصيب
الأولى ما يصيب الثانية من أمراض مختلفة حتى الانحلال التام، فلهذه الأحوال تأثير
عظيم في تكوين الآراء والمعتقدات، ويظل إدراك بعض الحوادث التاريخية ممتنعًا إذا لم
نقف على ما يقع في الخلق من تبدل عرضي.
وسوف نرى في فصل آخر أن العوامل التي تصدر عنها آراؤنا ومعتقداتنا وأفعالنا
هي مثل العيارات الموضوعة على كفتي الميزان، فالكفة التي تثقل عياراتها تهبط، غير أن
الأمور لا تجري تمامًا على هذا الوجه البسيط، فقد تنزيف العوامل التي اتخذنا العيارات
رمزًا لها بتأثير بعض المعكرات، حينئذ يتغير الإحساس، وينتقل مقياس القيم، ويتحول
اتجاه الحياة فتتجدد الذات.
نشاهد تلك التقلبات على الخصوص عندما يطرأ اختلال عظيم على ما بين البيئة
الاجتماعية التي تغيرت فجأة وبين المشاعر من توازن، والوقوف على التوازن بين البيئة
التي تكتنفنا، والعناصر التي نتألف منها إنما هو على جانب عظيم من الأهمية، فهذا
التوازن لا يختص بعلم النفس وحده، بل يتناول علم الكيميا، وعلم الطبيعة، وعلم الحياة
أيضًا، فالجسم - سواء أكان جمادًا أم كان من ذوات الحياة - ينشأ على توازن بينه
وبين بيئته، ويتبدل هذا الجسم بتبدل البيئة، فقد يمكن سبيكة الفولاذ أن تصبح بخارًا
خفيفًا إذا كان في بيئة ملائمة.
وكذلك فإن أقطاب السياسة يقدرون عند الحاجة على تغيير ما بين عناصرالخلق
القومي من توازن؛ وذلك بجعلهم ما هو ملائم منها لمقتضيات الزمن يتغلب على الأخرى.