الحضور، ولامستهم، غير أن (ميلر) الذي اعتمد على سذاجة الحضور المتناهية تراخى
في اتخاذ بعض التدابير الاحتياطية، فافتضح أمر تدليسه في الحال، واضطرت صحف
استدعاء الأرواح التي نشطته في البداءة إلى الاعتراف بخطئها وضلالها.
وليس ما عرض ل (لأناروث) بأقل من ذلك، فقد اشتهر أمر (أناروث) في برلين
حتى اكتشف بعض الشُرَط الماهرين حيلها، فرافعوها إلى القضاء؛ فحُكِم عليها بالسجن
ثمانية عشر شهرًا، وقد أطنب الدكتور (ماكسويل) في بيان حكايتها، وإني أقتطف منه
العبارات الآتية وهي:
كانت هذه الوسيطة تكون في المجتمعات العامة الحافلة حسب طريقة تجسيم
الأرواح أزهارًا، فكانت هذه الأزهار تتساقط على أطرافها، وبين يديها، وتظهر
فجأة على أكتاف الحاضرين، وقد استمرت على هذا الأمر سنوات طويلة؛
فأوجبت زيادة عدد القائلين باستدعاء الأرواح وتجسيمها كثيرًا، فخشي البلاط
عاقبة الأمر، وقد اتفق في إحدى الليالي أن ألقى بعض الشُرَط أنفسهم في تلك
الوسيطة في أحد المجتمعات فرأوا أن الأزهار التي زُعم أنها تتكون على الوجه
المذكور ليست بالحقيقة سوى أزهار طبيعية مخبأة تحت ثوبها.
والوسيطة) أوزابيا (التي دعاها» معهد العلوم النفسية «في باريس كي يطبق
طريقة تجسيم الأرواح في اجتماعات كثيرة لم تجرؤ على فعل ذلك إلا قليلًا؛ نظرًا
لشعورها بمراقبة الناس لها مراقبة شديدة، غير أنه اتفق في إحدى المرات أن قدرت على
تخليص يديها من أيدي المراقبين فحوطت رأس أحد الحضور بذراع قالت إنها ذراع
أحد الأشباح، مع أن مصدر تلك الذراع الحقيقي لم يلبث أن عُلم.
وعندما أقامت الوسيطة المذكورة في مدينة» نابولي «وأحست أن يد المراقبة،
والاحتراز غير شديدة فيها، ورأت تشتغل بين أناس ذوي اتكال وتسليم أتت بالغرائب:
قامت هنالك بإتمام الحوادث العجيبة التي سأقصها في حضرة الأستاذ (بوتازي)
الذي هو من أفضل علماء إيطاليا، وفي حضرة كثير من علية القوم، وقد اقتنع الأستاذ
المشار إليه ومعاونوه بأنه من الممكن أن يخرج من جسم الوسيطة (أوزابيا) ذراع
ويد غير منظورتين، تستطيع بهما أن ترفع خوانًا وزنه اثنان وعشرون كيلو، وأن
تنقل أشياء كثيرة من محلها، وهكذا سلَّم (بوتازي) المتخصص بعلم وظائف الأعضاء
بأن أعضاء لا تدركها الأبصار قد تتكون بغتةً، وتقوم بأفعال كالتي تقوم بها أعضاء
الإنسان العادية.
ثم قال (بوتازي) : إنه رأى مع معاونيه - عدا الذراع واليد غير المنظورتين -
رأسًا منظور يخرج من جسم الوسيطة، وأيديا، وأصابع منظورات، وأن هذه الأيدي
-منظورة كانت أم غير منظورة - لمست الحاضرين لمسًا خفيفًا، وأنها وضعت على
الخوان على آلة الطرب البعيدة منها ستين سنتيمترًا، ودورت بها زر مصباح كهربائي،
وقد ختم (بوتازي) كلامه بقوله: إنه شاهد في الاجتماع نفسه خروج وجهين بشريين
شاحبي اللون من الوسيطة.
وروى الدكتور (فينزانو) ، والأستاذ (مورسيللي) ، وهما من علماء إيطاليا المعروفين
أن تلك الوسيطة أتت بأمور مماثلة لما ذكرنا، ومنها «خروج امرأة تضم بين ذراعيها
طفلًا ذا شعر قصير»، وعندما سئلت الوسيطة المذكورة عن تلك المرأة أجابت: «أنها
أم مدام إفيلينو، وأن الطفل حفيدها»، ومما ذكر ذانك العالمان أن بهو الاجتماع كان
آنئذ مُنَوّرًا بغاز كثيف، وقد قصدا بذلك أن يبينا أن النور لا يمنع الأشباح من الظهور
كما يزعم مستخدمو الأرواح، وعندي أن الأشباح تظهر في كل حال إذا كان الحضور
مشبعين من إيمان شديد، أقول ذلك وأنا أعتقد مع الوسطاء أن الظلام البهيم أنفع من
النور في نمو المعتقد وانتشاره.
لقد اختلفت نتائج التجارب التي قامت بها الوسيطة (أوزابيا) باختلاف البلدان
والمشاهدين، فكانت هذه النتائج في إيطاليا خارقة للعادة، ولم يأت السحرة الذين جاء
ذكره في الأساطير بمعجزات أعظم منها، وقد تجلى نجاحها في فرنسا بحسب البيئات،
ومزاج الحاضرين النفسي، فكان باهرًا في مجالس العوام، وضعيفًا في محافل العلماء،