فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 160

إن هذه الحقائق ثقيلة مفجعة.

حقًا إنها ثقيلة مفجعة، ومن دواعي الأسف أنه ليس عندنا ما يجعلنا نأمل أن

تزول أسباب تلك النتائج الكثيرة، ونعد من هذه الأسباب: اختلال النظام الزائد بين

عمال دور الصناعة الحادث بفعل كثير من المحرضات اليومية، وانحلال مصالح الدولة

بتأثير ما بين الموظفين - الذين يحسدون بعض هم بعض ا - من مناظرة ومزاحمة،

والاشتراكيين الذين يرغمون الحكومة أن تصنع بنفسها ما تصنعه ألمانيا في مصانع

الأفراد الخصوصية.

ظهرت نتائج التجارب في المسائل المذكورة بسرعة، ولكن قد لا تظهر هذه النتائج

إلا ببطء، فالقضاء على الأسطول الروسيبغتةً من قبل المدرعات اليابانية، وعجز نسافات

الروس عن أن تحول دون ذلك كانا ضروريين لندرك خطأنا العظيم في عدولنا منذ بضع

سنين عن إنشاء مدرعات كي نصنع مكانها بارجات صغيرة، ونسافات ثبت الآن أنها

غير مفيدة، وهكذا أضعنا مئات من الملايين، وظلت بلادنا عاطلة من وسائل الدفاع حتى

أثبتت التجربة خطأنا فعزمنا على بناء أسطول جديد.

وإذا كانت التجربة في الغالب ضرورية لتحقيق قيمة الآراء فذلك لأن أكثر الآراء

تتكون من دون أن تبالي بغير ظواهر الأمور، ففي المسألة التي استشهدنا بها دل الرأي

المستند إلى بعض الظواهر على أن النسافات الرخيصة تدمر المدرعات الغالية بسهولة،

ولذلك رؤي أن من العقل والصواب ترك هذه، وإنشاء تلك.

ولا تبدو النتائج البعيدة للتدابير القائمة على ظواهر المعقولات إلا لذوي البصائر

الثاقبة الذين لا يكونون في الغالب من القابضين على زمام الأمور، فقد بينت في كتابي

ضرر كثير من القوانين التي كانت يظهر أن العقل هو الذي «روح السياسة» المسمى

أملاها، وسرعان ما أثبتت التجربة أن تأثير أكثر هذه القوانين الجائرة منافٍ حتى لمنافع

الذين وُضعت لحمايتهم.

ونورد الحادث الآتي الذي وقع حديثًا في مدينة» ديجون «مثالًا على تلك النتائج:

لما أوجبت إحدى المصادفات الضالة انتخاب بلدية اشتراكية لتدير أمور هذه المدينة

تصور أعضاء البلدية المذكورة أن يساعدوا العمال على أن يجعلوا مكان مكوس الدخولية

ضرائب ترهق الأغنياء، وفعلًا أجروا ذلك، ولكن الأمر لم يلبث أن انقلب إلى ضده، لأن

معيشة العمال بدلًا من أن تصبح رخيصة صارت أغلى منها في الماضي كثيرًا، وهكذا

علمت التجربة الاشتراكيين أن سنن الاقتصاد التي يُستخف بها عند عدم إدراكها لا

تسمح بفرض أية ضريبة على طبقة واحدة دون غيرها، فإذا فُرضت هذه الضريبة فإنها

توزع في الحال - ولكن على وجه غير مباشر - على الطبقات الباقية أيضًا لا على التي

فرضت عليها وحدها.

دروس التجربة تكون في الغالب بارزة، فلماذا يعجز كثير من رجال السياسة الذين

هم على شيء من الذكاء عن فهمها؟ أجيب عن ذلك قائلًا - كما بينت في الفصول السابقة

: - إن التجربة لا تؤثر في المعتقدات على وجه التقريب، ولما كانت مبادئ زعماء الأحزاب

المتطرفة من فصيلة المعتقدات لا من فصيلة الآراء فإنها تستند إلى دعائم عاطفية دينية

لا يقدرون على مقاومتها.

وليس للعل الذي يستشهد به المشتغلون بالسياسة تأثير في هؤلاء، كما أنه لا تأثير

له في أنصار أي إيمان، فالحقائق العاطفية أو الدينية هي التي تقودهم جميعًا، فهم

وإن كانوا ذوي سلطان على خطبهم فإنهم لا سيطرة لهم على المحرضات الخفية التي

تملي عليهم تلك الخطب.

وبعد أن اطلعنا على تكوين الآراء - التي ليس فيها من المعقول سوى الظواهر -

تكوينًا خفيًا، فإننا لا نحنق على عدم فطنة من أبدوها، فالحقائق التي لا يدركها غير من

لا دليل إلا المنطق العقلي تظل خافية على من لا دليل لهم غير المعتقد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت