فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 160

ينطوي تحت هذا اللفظ المبتذل سلسلة من الحوادث المجهولة جهلًا تامًا، كانت الغريزة

تعتبر فيما مضى صفة ثابتة أنعمت بها الطبيعة على الحيوانات يوم تكوينها كي تسيرها

في أدوار الحياة كما يقود الراعي قطيعه، وقد عد (ديكارت) الحيوانات آلات متحركة،

فعلى ما في حركة هذه الآلات من أمر غريب عجيب بدت له كشيء بسيط جدًا.

ولكن لما تعمق العلماء في مباحثهم اعترفوا بتحول الغرائز التي كان يظن أنها ثابتة

لا تتحول، خذ النحل مثلًا تر أنه يقدر على تغيير قفيره عندما تدفعه الضرورة إلى ذلك،

وقد جاء في مذكرة للمسيو (روبو) عرضها سنة 1908 على مجمع العلوم، وبحث فيها

أن ما بين أنواع تلك الزنابير من فروق يمكننا من «عن تقدم الغريزة في زنابير إفريقيا

أن نستقرئ سلسلة تطور غريزتها التي تتجه - بادئة من الزنابير المنفردة - نحو

الزنابير الاجتماعية.»

وما لاحظناه من حوادث الحشرات نلاحظ مثله في الحيوانات العليا، فهذه الحيوانات

تستطيع أن تأتي بأفعال يتألف من تدوينها علم راق لو كان المنطق العقلي هو الذي

أملاها، ونعد من تلك الأفعال ادخار الحيوان ما يحتاج إليه من قوة شديدة ليطير في

الهواء من غير عناء كما يشاهد في الصقور والخطاطيف ... الخ، فالطيور المذكورة تهبط

من ارتفاع كبير مطاردة طرائدها، ولأجل ذلك تطوي أجنحتها فتنزل إلى الأرض على

شكل منحنٍ، وهي تستفيد من القوة الحادة التي نالتها في أثناء هبوطها عند صعودها

ثانيةً في الهواء، ومما يقدر عليه الطير أيضًا هو أن ينال برشاقة ما في منحدر مجاري

الهواء من قوة يلائم بها على الفور تقلبات الجو الفجائية.

لا ريب في أن تعبير منطق الحياة الذي أوجدناه لا يؤدي الآن إلى إيضاح حقائق

الأمور إيضاحًا كاشفًا، ولكنه يفيدنا على الأقل بإثباته أن جميع أفعال الحيوان التي زُعم

أنها غريزية هي بالحقيقة غير ناشئة عن الغريزة العمياء التي حاول العلماء حتى الآن

أن يسندوها إليها، فالعدول عن الشروح الآلية كالتي أتى بها (ديكارت) هو في الواقع

تسليم بوجود عالم نفسي واسع مجهول، نكاد لا نبصر منه سوى وميض خفيف.

ومع أن البيان السابق يبتعد قليلًا من مقاصد هذا الكتاب فإننا نعده شيئًا جوهريًا

لا مناص من الإلماع إليه فيه، فلا يذهب عن بالنا عند البحث في علل آرائنا ومعتقداتنا أنه

تستتر تحت سطح الحوادث الخارجي قوى لم تدركها الأبصار، وهي أقوى من عقولنا

المسيرة بها في الغالب.

نلخص هذا الفصل بالكلمات الآتية وهي: إن ظهور منطق الحياة قد تم قبل ظهور

أنواع المنطق الأخرى، وإنه لا حياة بدونه، فلو توقف عمله لصارت الأرض بلقعًا كالحًا

تتحكم فيه قوى الطبيعة العمياء، أي القوى التي ليست عضوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت