فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 160

وفي أثناء ذلك أتى العلماء الأجانب الذين لا تأثير لعلماء فرنسا فيهم بتجارب

مكررة في الموضوع فلم يظفروا بشيء، وعندئذ عزم عدد غير يسير منهم على شد

الرحال إلى المكتشف ليختبروا الأمر أمامه، وسرعان ما علموا أن هذا الأخير ذهب ضحية

أوهام تطرقت إليه من قياسه انحراف أشعة (N) بمنشور من زجاج، وعلى أثر ذلك

قامت» المجلة العلمية «ببحث ضاف في المسألة، فظهر أن أشعة (N) هي نتيجة للتلقين

والعدوى، وأنه لا وجود لها.

تدلنا هذه الذقصة العجيبة على ما للنفوذ والتلقين والعدوى من السلطان الكبير،

وبها تتضح لنا كيفية تكوين المعتقدات، وكثير من الحوادث التاريخية، وجميع حادثات

السحر؛ فالناس يسحرون بالتلقين، وإذا كان تأثير التلقين في المسائل العلمية هو كما

وصفنا فما أحرى به أن يكون عظيمًا في إحداث أمور خارقة للعادة.

لم أبحث هنا إلا عن أوهام علمية شهيرة، ولو ذكرت ما تسرب في مختلف المسائل

العلمية من الأوهام التي مصدرها النفوذ لاستوعب ذلك سفرًا كبيرًا، ولذا فإني أقتصر

على إيراد المثال الآتي:

اعتقد أحد طلاب الموسيو (ليمان) أنه اكتشف أن الجسم المكهرب وهو في دور

الحركة لا يجتذب الإبرة المغناطيسية، وقد كان أمر هذا الطالب مجهولًا، ولكنه لما

أتى بتجاربه في حضرة الموسيو (ليمان) ، واستعان بنفوذه العلمي العظيم اتبعه جميع

علماء الطبيعة إلى أن أثبت أحد علماء الأجانب أن الطالب وأستاذه كانا على ضلال.

وأكثر ما تكون الأوهام في العلوم التي هي في طور التكوين - كعلم الطب مثلًا

-حيث يصعب تحقيقها، فتعدادها عبارة عن تدوين لتاريخ الطب، وإثبات لكون

النظريات والأدوية تتغير في كل خمس وعشرين سنة، وإني أختار المثال الآتي كدليل

على ذلك:

كان الأطباء منذ خمسين سنة يعتبرون معالجة ذات الرئة بالفصد من أهم ما

اكتشفه فن الطب، وقد استندوا في ذلك إلى الإحصاءات التي دلت على أن عدد الوفيات

من المصابين بالداء المذكور - بعد معالجتهم بالفصد - هو ثلاثون في المائة، وقد

استمر استعمال طريقة الفصد إلى أن زار طبيب ماهر أحد مستشفيات لندن؛ فحقق

فيه أن عدد الوفيات من المصابين بذات الرئة هو خمسة في المائة بدلًا من أن يكون

ثلاثين في المائة، وأن علة هذا النقص في الوفيات هي أن الأطباء يعالجون المرضى هنالك

بعدم التعرض لهم بدواء.

وإني لأرجو أن يكون القارئ قد اقتنع من الأمثلة السابقة بأنه يجب نعت أكثر

آرائنا العلمية بالمعتقدات لا بالمعارف،، فالآراء المذكورة التي هي من فصيلة المعتقدات

تتكون بفعل بعض المؤثرات، كالنفوذ، والتوكيد، والتلقين، والعدوى، وغيرها من العوامل

البعيدة من العقل، والتي هي ذات سلطان أكبر من سلطانه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت