الشبهة الخامسة
من يرتكب المحظور من أجل الإصلاح والدعوة، وهو مخالف لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -
وأما الأدلة التي تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما فعل معصية قط من باب المصلحة، كما يلي:
الدليل الأول:
ما جاء في السيرة أن قُريشًا أرسلت عتبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفاوضه على ترك سبّ آلهتهم، وقال: فرقت شملنا، فإن كنت تُريد السيادة لا نقطع أمرًا دونك، وإن أردت زوجًا زوجناك، وإن أردت مالًا أعطيناك، فقرأ الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليه أول سورة فُصِلت [1] ، والقصة صحيحة باعتبار طرقها.
فالعرض ليس فيه مُكفر، ومع ذلك لم يفعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من ذلك باسم مصلحة الدعوة، وطلبوا منه فقط ترك التصريح بكفرهم وباطلهم وترك انتقاد الأوضاع الباطلة، مع أنهم عرضوا عليه أن يكون سيدًا، يعني رئيسًا وهذه مصلحة عظيمة يتمناها كثيرًا من دعاة الإصلاح، ومع ذلك لم يقبل بذلك لأنه يتضمن معصية، وهي ترك إظهار الولاء والبراء، وترك جزء من التوحيد.
الدليل الثاني:
عند مسلم وهو:"أن قريشًا أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - وطلبت منه مجلسًا مقابل أن يطرد الضُعفاء" [2] ، فأنزل الله عليه آيتين، الآية الأولى: {وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} الأنعام (52) مع أن فيه مصلحة وهي الاجتماع بهم ودعوتهم، ولكن لما كان مقابل معصية مُنع من
(1) انظر: فتح القدير 4/ 504 ط. دار إحياء التراث العربي، وذكر أيضًا ابن كثير في تفسيره من حديث جابر بن عبد الله
4/ 114. ط. مؤسسة الريان، قال ابن كثير رحمه الله: وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي عن أبي بكر ابن أبي شيبة.
(2) رواه مسلم (2413) في فضائل الصحابة عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -.