فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 389

الغربة ثلاثة أنواع: النوع الأول:

غربة أهل الله وأهل سنَّة رسوله بين هذا الخلق، وهي الغربة التي مدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهلها، وأخبر عن الدين الذي جاء به: أنه"بدأ غريبًا"وأنه"سيعود غريبًا كما بدأ"وأن"أهله يصيرون غرباء".

وهذه الغربة قد تكون في مكان دون مكان، ووقت دون وقت، وبين قوم دون قوم، ولكن أهل هذه (الغربة) هم أهل الله حقًا، فإنهم لم يأووا إلى غير الله، ولم ينتسبوا إلى غير رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يدعوا إلى غير ما جاء به، وهم الذين فارقوا الناس أحوج ما كانوا إليهم، فإذا انطلق الناس يوم القيامة مع آلهتهم بقوا في مكانهم، فيُقال لهم: (( ألا تنطلقون حيث انطلق الناس؟ فيقولون: فارقنا الناس، ونحن أحوج إليهم منَّا اليوم، وإنا ننتظر ربنا الذي كُنا نعبده ) ).

فهذه (الغربة) لا وحشة على صاحبها، بل هو آنسُ ما يكون إذا استوحش الناس، وأشد ما تكون وحشته إذا استأنسوا، فوليه الله ورسوله والذين آمنوا، وإن عاداه أكثر الناس وجفوه.

وفي حديث القاسم عن أبي أمامة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ـ عن الله تعالى ـ:" (إن أغبط أوليائي عندي: لمؤمن، خفيف الحاذِّ، ذو حظ من صلاته، أحسنَ عبادة ربه، وكان رزقه كَفافًا، وكان مع ذلك غامضًا في الناس، لا يُشار إليه بالأصابع، وصبر على ذلك حتى لقي الله، ثم حلَّت منيته، وقَلَّ تُراثه، وقَلَّتْ بَواكيه) ."

ومن هؤلاء الغرباء: من ذكرهم أنس في حديثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"رُبَّ أشعث أغبر، ذي طِمْرَين لا يُؤْبَهُ له، لو أقسم على الله لأبَرَّه".

وفي حديث أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ألا أُخبركم عن ملوك أهل الجنَّة؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، قال: كُل ضعيف أغْبَر، ذي طمرين لا يُؤبه له، لو أقسم على الله لأبره"، وقال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب، لا يجزع من ذلها، ولا يُنافس في عزها، للناس حال، وله حال، الناس منه في راحة، وهو من نفسه في تعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت